آخر تحديث :الجمعة-27 مارس 2026-11:13م

النزاهة .. حين يبدأ بناء الدولة من الضمير

الجمعة - 27 مارس 2026 - الساعة 04:52 م
عادل باحميد

بقلم: عادل باحميد
- ارشيف الكاتب


كتب: د. عادل محمد باحميد


تُعَدُّ النزاهةُ إحدى أهم ركائز الحكم الرشيد في أي دولةٍ أو مجتمع، فهي الضمانة الحقيقية لسلامة الإدارة العامة وحسن إدارة المال العام، وهي السياج الذي يحفظ مؤسسات الدولة من الانحراف ويصون ثقة الناس بها. فالدول لا تُقاس قوتها بوفرة مواردها فحسب، بل بمدى نزاهة مؤسساتها وعدالة إدارتها، سواء في الجوانب المالية أو الإدارية. وحيثما ترسخت النزاهة، ترسّخت معها الثقة والاستقرار، وازدهرت التنمية، واستقام ميزانُ العدالة بين الناس.

وعلى النقيض من ذلك، فإنّ غياب النزاهة يفتح الباب واسعًا أمام الفساد، الذي لا يقف أثرُه عند حدود المال المنهوب أو الصفقات المشبوهة، بل يتجاوز ذلك ليطال جوهر الدولة ومفهومها. فالفساد حين يستفحل يُضعف هيبة القانون، ويهدم مبدأ تكافؤ الفرص، ويعبث بمقدرات الوطن، حتى تتحول الدولة تدريجيًا إلى هيكلٍ فاقدٍ لروحه، تتآكل مؤسساتُه من الداخل وتضيع فيه العدالةُ بين الناس.

غير أن النزاهةَ ليست مجرد قوانين تُسنّ أو قرارات سلطوية تُفرض من الأعلى، فهذه – على أهميتها – لا تكفي وحدها لصناعة مجتمعٍ نزيه. إن النزاهةَ قبل كل شيء قيمة تربوية عميقة، تُغرس في النفس منذ الطفولة المبكرة، وتُبنى في وجدان الإنسان عبر محاضن التنشئة الأولى. فهي تُسقى للطفل مع الحليب، وتتشكل ملامحها في الأسرة والمدرسة والمسجد، حتى تُصبح جزءًا من تكوينه الأخلاقي وسلوكه الطبيعي. لذا فإنّ النزاهة ليست مجرد نصوصٍ في القوانين، بل هي قيمٌ تُزرع في الضمائر منذ الطفولة.

ومن النماذج اللافتة في هذا السياق ما عُرف تاريخيًا بالنموذج الحضرمي في النزاهة. فقد أسهمت التربية الاجتماعية والثقافية في حضرموت في ترسيخ هذه القيمة حتى غدت سمةً بارزةً في شخصية الإنسان الحضرمي. ولذلك عُرف الحضارمُ عبر التاريخ بقُضاةٍ عُدول، وتُجّارٍ ورعين، وأمناءَ مؤتمنين على الأموال والتجارة، يحملون معهم حيثما حلّوا سمعةً طيبة تقوم على الصدق والأمانة والاستقامة.

ومع ذلك، فإن النزاهة التي تُفرض بقوة السلطة وحدها لا تدوم طويلًا؛ إذ إن النزاهة التي تقوم على الخوف من العقاب أو هيبة الدولة تظل مرتبطة بوجود تلك القوة واستمرارها. ومتى ما ضعفت هذه الهيبة أو زالت، تراجعت معها مظاهر النزاهة سريعًا. ولعل ما شهدته بعض المراحل التاريخية في جنوب اليمن خلال الحقبة الاشتراكية مثالٌ واضحٌ على ذلك، حيث ارتبطت مظاهر الانضباط والنزاهة آنذاك بسطوة الدولة وهيبتها، فلما انهارت تلك المنظومة ودخل البلد لاحقًا في مرحلةِ تفشٍ للفساد، تراجعت تلك القيم وغابت إلى حدٍّ كبير.

ومن هنا فإن استعادة النزاهة لا يمكن أن تتحقق عبر القوانين وحدها، بل عبر مشروعٍ وطني طويل المدى يُعيد بناء هذه القيمة في نفوس الأجيال. وتبدأ هذه المهمة من الأسرة، بوصفها المدرسة الأولى التي يتلقّى فيها الطفلُ معاني الصدق والأمانة واحترام الحقوق. فالأب والأم حين يجسدان النزاهة في سلوكهما اليومي، إنما يغرسون في نفوس أبنائهم نموذجًا حيًّا يترسخ في وجدانهم أكثر من أي نصائح أو توجيهات.

ويأتي بعد ذلك الدور المحوري للمؤسسات التعليمية، وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم، التي يقع على عاتقها إدماج قيم النزاهة والشفافية في المناهج الدراسية والأنشطة التربوية، وتنمية الحس الأخلاقي لدى الطلاب، بحيث يتعلم الناشئة منذ مراحلهم المبكرة أن الأمانة ليست مجرد فضيلة شخصية، بل مسؤولية وطنية.

كما تضطلع المؤسسات الإعلامية والثقافية بدور بالغ الأهمية في ترسيخ هذه القيم في الوعي العام. فوسائل الإعلام، بقيادة المؤسسات الرسمية وعلى رأسها وزارة الإعلام، قادرة على بناء خطاب ثقافي يكرّس احترام النزاهة ويُعلي من شأن النماذج المشرفة في المجتمع، بدل أن يجعل من الفساد أمرًا عاديًا أو مألوفًا. وكذلك فإن وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية المختلفة تستطيع عبر الأدب والفنون والبرامج الثقافية أن تجعل من النزاهة قيمةً جماليةً وأخلاقيةً حاضرة في الوجدان الجمعي.

ولا يقل أهمية عن ذلك دور المؤسسات الوعظية والدعوية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف والإرشاد، بما تمتلكه من تأثير روحي وأخلاقي واسع في المجتمع. فالخطاب الديني القائم على ترسيخ قيم الأمانة والعدل والورع يمكن أن يُسهم بعمقٍ في إعادة بناء الضمير الأخلاقي للمجتمع وتعزيز الرقيب الداخلي لدى الأفراد.

وإلى جانب دور المؤسسات، يظل الدور الأكبر للأفراد أنفسهم: للآباء والأمهات في بيوتهم، وللمعلمين في مدارسهم، وللخطباء على منابرهم، وللإعلاميين في برامجهم، وللمثقفين والمؤثرين في فضاءات التواصل الاجتماعي الحديثة. فكل هؤلاء يشكّلون منظومةً تربويةً وثقافيةً متكاملة يمكنها – إن أحسنت أداء دورها – أن تُعيد للنزاهة مكانتها في النفوس والعقول والسلوك.

ولا شك أن القوانين والتشريعات تبقى أدوات ضرورية لحماية النزاهة وضبط المخالفات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الرقيب الداخلي في نفس الإنسان؛ ذلك الرقيب الذي يضع للإنسان كوابح أخلاقية تمنعه من الانجراف خلف الرغبات والأطماع حتى حين تغيب الرقابة الخارجية.

غير أن كل هذه الجهود تظل ناقصة الأثر ما لم تُدعَّم بأهم عنصر في ترسيخ النزاهة، وهو القدوة. فالنزاهة لا تُعلَّم بالكلمات بقدر ما تُغرس بالممارسة، ولا تُقنِع بها الخطب بقدر ما تُثبتها السلوكيات. ومن هنا فإن رأس الدولة، ومن هم في قمة هرم السلطة، من مسؤولين ووزراء وقيادات في المؤسسات العامة، هم أول من يجب أن يتحلّى بأعلى درجات النزاهة، وأن يكونوا المثال الحيّ الذي يحتذي به الناس. فحين يرى المواطن أن القانون يُطبَّق على كبار القوم قبل صغارهم، تترسّخ الثقة وتُبنى القيم، أما حين يُستثنى أصحاب النفوذ وتُطبّق القوانين على الضعفاء وحدهم، فإن ذلك لا يهدم النزاهة فحسب، بل يهدم الإيمان بها من الأساس.

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء هذه القيمة في حياتنا العامة، بعد أن ضرب الفسادُ كثيرًا من مفاصلها حتى غدت النزاهةُ وكأنّها غريبة بيننا، وأصبح النزهاء في بعض الأحيان غرباء في مجتمعاتهم. واستعادة النزاهة ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية مجتمعٍ بأكمله، يبدأ من تربية الفرد وينتهي ببناء المؤسسات. إنّها بالفعل معركتنا جميعًا، وحين تصبح النزاهة سلوكًا وثقافةً عامة، لا مجرّد شعار أو قانون، يمكن للدولة أن تستعيد عافيتها، وللمجتمع أن يستعيد ثقته بنفسه ومستقبله.