يا لَهف قلبي على شرقٍ أضحى للمحنِ مَيْداناً، ولصراعِ القوى عُنواناً؛ تغشاهُ سُحبُ الردى بكرةً وأصيلاً، ولا يجدُ من أوصابِهِ إلى الخلاصِ سبيلاً. هو مهدُ النبواتِ الذي استحالَ لظىً، ومسرحُ الحضاراتِ الذي باتَ يئنُّ تحتَ وطأةِ الشتات.
واقعٌ مرير.. ومصيرٌ مستجير:
أضحتِ الحروبُ في رُبوعنا ناراً لا تخمد، وصراعاً على البقاءِ يتجدد؛ فبين فوهاتِ المدافعِ وضجيجِ الزحام، ضاعَ بريقُ الأمانِ وتاهَ ممرُّ السلام. لم تَعُدِ المعاركُ بحد السيفِ والمهند، بل بمكائدَ تُحاكُ في الغرفِ المظلمة، وخُططٍ تُسردُ خلفَ كواليسِ المصالح؛ حربٌ "باردةٌ" في ظاهرها، "محرقةٌ" في جوهرها، تستنزفُ زهرة الشباب، وتفتحُ للأزماتِ ألفَ بابٍ وباب.
بين مِطرقة الجغرافيا وسِندان التاريخ:
إنَّ حالَ منطقتنا اليوم، كبحرٍ تتلاطمُ فيهِ أمواجُ الأطماع، وتضطربُ في ليلهِ السُّرجُ والأسراج؛ فلا الميدانُ حسمَ النزاعَ بطلقةٍ، ولا الحوارُ أوقفَ الاقتطاعَ بكلمة. نحنُ نعيشُ زمن "اللاحرب واللاسلم"، حيثُ تُدارُ الأزماتُ ولا تُحلّ، وحيثُ الشعوبُ هي الثمنُ الذي يُدفعُ في موازينِ القوى الدولية. الكلُّ يترقبُ بوجلٍ مآلَ الأمور، وما ستخبئه الأيامُ من دُهور؛ فإما تسويةٌ شجاعةٌ تُحقنُ بها الدماء وتُعادُ بها الكرامة، أو تمادٍ في الغيِّ يجعلُ من الحاضرِ رماداً ومن المستقبلِ سراباً.
وفي الختام..
يبقى هذا الشرقُ العظيمُ أحجيةً يستعصي حلُّها على العابرين، فهو إن غفا تحت وطأةِ الجراحِ لا ينام، وإن كبا بجسدهِ المثقلِ بالخطوبِ لا ينكسر. إنَّ ما يشهدهُ مهدُ الحضاراتِ اليوم ليس مجردَ صراعِ حدود، بل هو صراعُ وجودٍ وإثباتِ هويةٍ في عالمٍ لا يعترفُ إلا بالأقوياء.
ستظلُّ الشعوبُ، رغمَ لظى الحروبِ، هي الرهانَ الأصعبَ والرقمَ الذي لا يقبلُ القسمةَ على التنازل؛ منتظرةً فجراً يغسلُ سوادَ السنين بماءِ العدلِ، ويُعيدُ للشرقِ هيبتهُ الضاربةَ في جذورِ التاريخ. فخلفَ كلِّ غيمةِ رصاصٍ، ثمةَ عينٌ ترقبُ السلام، وخلفَ كلِّ ركامٍ، إرادةٌ تأبى إلا التمام.
* أكاديمي بجامعة حضرموت - كلية التربية سقطرى