آخر تحديث :السبت-28 مارس 2026-11:06م

سالي حمادة… حين يكشف الفن ما يختبئ خلف الحياة

السبت - 28 مارس 2026 - الساعة 08:43 م
وحيد الفودعي

بقلم: وحيد الفودعي
- ارشيف الكاتب


(1)

من النادر جدًا أن أكتب خارج الشأن الاقتصادي. ولعلها من المرات القليلة التي أخرج فيها من عالم الاقتصاد، والمصارف، والتحليل، والسياسات، والأرقام، إلى مساحة أخرى تبدو، في ظاهرها، بعيدة عن اهتماماتي المباشرة؛ لكن الحقيقة أن بعض التجارب لا تعترف بالحدود التقليدية بين التخصصات، ولا تستأذن المرء حين تفرض عليه الكتابة؛ هناك لحظات لا تطرق بابك بوصفها مادةً للمتابعة، بل بوصفها صدمة وعي، أو مرآةً مفاجئة ترى فيها نفسك، أو جزءًا كبيرًا منها، في حديث شخص آخر يفترض، ظاهريًا، أنه ينتمي إلى عالم مختلف تمامًا عن عالمك.


هذا ما حدث لي وأنا أتابع لقاء الصحفي بشير الحارثي مع الفنانة القديرة سالي حمادة.


فعلى الرغم من نفوري المعتاد من اللقاءات المطولة، بل وتجنبي غالبًا لهذا النوع من الحوارات التي يمتد فيها الزمن أكثر مما تحتمل الفائدة، إلا أنني، وللمرة الأولى، وجدت نفسي أتابع بودكاستًا يمتد لساعتين ونصف دون أن يتسرب إليّ ملل، أو يضعف انتباهي، أو أشعر بأن الوقت يمر ثقيلًا. بل على العكس، كانت الحلقة تمضي بي من إنصات إلى إنصات، ومن دهشة إلى دهشة، ومن تقاطع داخلي إلى آخر، حتى انتهيت منها وأنا أشعر أنني لم أكن أتابع مجرد مقابلة مع ممثلة، بل كنت أواجه تجربة إنسانية كاملة، وتجسيدًا حيًا لكثير من المعاني التي خبرتها بنفسي في الحياة والعمل والناس.


ولعل أكثر ما فاجأني، بل ما دفعني إلى الكتابة أصلًا، أنني شعرت في أكثر من موضع أن سالي حمادة لا تتحدث عن نفسها فقط، بل تتحدث عني أيضًا، أو عن شيء يشبهني إلى حد بعيد؛ شعرت أن كثيرًا من المواقف التي سردتها، وكثيرًا من استنتاجاتها، وكثيرًا من قراءاتها لطبيعة النجاح، والتميّز، والخذلان، والمحاربة، والتقييم غير العادل، هي ذاتها، بدرجات متفاوتة، ما مررت به، وما رأيته، وما فهمته من واقع الحياة المهنية والإنسانية؛ والمفارقة هنا أن الهوة بين تخصصي وتخصصها، في ظاهر الأمر، واسعة جدًا؛ فأنا أنتمي إلى عالم المحاسبة، والمراجعة، والاقتصاد، والعمل المصرفي، وهي تنتمي إلى عالم الفن والتمثيل والدراما؛ لكن ما كشفه هذا اللقاء أن الجوهر الإنساني أعمق من التخصص، وأن معاناة الكفاءة، وكلفة الوعي، وثمن التميز، لا تعترف بالفواصل بين المهن والقطاعات.


ولهذا أقول إن هذه التجربة تستحق أن تُعمَّم وتُدرَس، لا لأنها تخص فنانة معروفة فحسب، بل لأنها تقدّم نموذجًا شديد الثراء لما يمكن أن تكون عليه الشخصية حين تجتمع فيها الموهبة مع الثقافة، والتجربة مع الوعي، والجرأة مع الاتزان، والصدق مع النضج، والفن مع البصيرة بالحياة.


ما أدهشني في سالي حمادة لم يكن حضورها الفني فقط، بل هذا الاتساع الملحوظ في ثقافتها، وهذا العمق في وعيها، وهذا التوازن في حديثها، وهذه العفوية الراقية التي لا تصطنع نفسها ولا تستعرضها؛ كانت تتحدث بثقة واضحة، لكن بلا فجاجة؛ كانت صريحة، لكن بلا ابتذال. وكانت، وهذا هو الأهم، تبدو كإنسانة تعرف نفسها جيدًا، وتفهم تجربتها، وتعي ما مرّت به، وتدرك ما تستحقه، من دون أن تتورط في نبرة الضحية، ولا في استعراض البطولة.


ومن الطبيعي، في تقديري، أن يخرج هذا النضج من شخصية تربت وترعرعت في أسرة فنية عريقة، من جهة الأب والأم والجد، وفي بيئة لم يكن الفن فيها مجرد مهنة، بل إرثًا، وتربيةً، وذائقةً، ووعيًا، واحتكاكًا مبكرًا بالمعنى الحقيقي للفن؛ النشأة في مثل هذا الوسط لا تمنح الإنسان فرصةً لاكتساب المهارة فقط، بل تمنحه أيضًا قدرةً على فهم ما وراء المهنة: أخلاقها، وتاريخها، ورسالتها، وكلفتها، وما يتصل بها من صبر، واختبار، وتمحيص، ونضج داخلي؛ ولهذا بدا واضحًا أن سالي لا تحمل من الفن مجرد أدوات الأداء، بل تحمل فهمه أيضًا، وتحمل وعيًا يتجاوز المنصة إلى ما وراءها.


وأحسب أن من أكثر ما جعل هذه الحلقة استثنائية أنها كشفت سالي بوصفها فنانة تشارك في صناعة العمل، لا مجرد ممثلة تؤدي ما يُكتب لها؛ فهي لا تقف عند حدود النص الجاهز، بل ترتجل، وتضيف، وتعدّل، وتفكر، وتشارك في إخراج المشهد بأفضل ما يمكن. وهذا فارق بالغ الأهمية؛ لأنه يكشف عن عقلية لا تتعامل مع الفن كتنفيذٍ حرفي، بل كعملية خلق حقيقية؛ والفرق كبير جدًا بين من يمر عبر المهنة، ومن تسكنه المهنة ويضيف إليها من روحه وفهمه وخبرته.


لكن، ربما، يبقى أصدق ما قالته، في نظري، تلك العبارة العميقة التي تختصر مأساة المتميزين في كل مكان: أن غياب التوفيق أحيانًا لا يكون بسبب ضعف المستوى، بل لأن الأداء نفسه يكون أعلى من سقف التوقعات؛ هذه ليست جملة عابرة يمكن المرور عليها بخفة، بل هي مفتاح لفهم كثير من الظلم الصامت الذي يتعرض له أصحاب الكفاءة في مجالات شتى؛ كم من إنسان لم يُنصف، لا لأنه لم يكن جيدًا بما يكفي، بل لأنه كان أفضل مما تتحمله البيئة المحيطة،

يتبع