بعد نقل السلطة من الرئيس هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي، عُقد لقاء جمع أحد أعضاء المجلس بعدد كبير من الإعلاميين، دعا خلاله إلى توحيد الخطاب الإعلامي، مشيراً – بحسب ما أذكر – إلى أن صنعاء ستتحرر خلال سبعة أشهر، ثم يُترك للشعب تقرير مصيره. كان ذلك الطرح بمثابة بوصلة للمرحلة، بخطاب متزن لاقى تأييداً واسعاً.
نرى اليوم أن هذا التوجه يجب أن يكون المحرك الأساسي للدولة والشرعية. هذه الشرعية التي ارتبطت في ذاكرة كثير من الجنوبيين، خاصة بعد حرب صيف 1994م، بممارسات سلبية من إقصاء وهيمنة وفساد، رغم أن علم الجمهورية اليمنية نفسه هو امتداد لنضال جنوبي أصيل، وليس دخيلاً أو طارئاً.
شخصياً، أرفض الإساءة لهذا العلم، كما أؤكد قناعتي السابقة: لا وحدة بالقوة، ولا انفصال بالقوة. لقد فشلنا – شمالاً وجنوباً – في بناء دولة وطنية حقيقية بمؤسسات عادلة، وظلت الدولة عرضة للنهب والصراع بين القوى المختلفة.
ومن هذا المنطلق، طرحت فكرة رفع علم الجمهورية اليمنية إلى جانب علم الجنوب؛ الأول يمثل الدولة المعترف بها دولياً، والثاني يعبر عن قضية الجنوب ونضاله وتضحيات أبنائه. لا أرى في ذلك ازدواجية، بل خطوة لتحديد البوصلة وتقليل المزايدات، والتفرغ لبناء الدولة وصون كرامة الإنسان وحقوقه.
يبقى حق تقرير المصير للجنوبيين حقاً قائماً، لكنه يحتاج إلى بيئة حقيقية تضمن إرادة شعبية حرة وتجربة سياسية ناضجة. إن التمسك بالقضية الجنوبية، بسقفها الواضح، يمثل صمام أمان ليس للجنوب فقط بل للشمال أيضاً، إذا أُحسن التعامل معه كمدخل لحل عادل.
وعلى النخب السياسية في الشمال أن تتعامل مع هذا الحق بجدية، إذا أرادت الحفاظ على الوحدة واستعادة الدولة الوطنية. فبناء مؤسسات عادلة يجب أن يكون شرطاً أساسياً، خاصة في الشمال، لضمان شراكة حقيقية ومنع تكرار تاريخ الهيمنة.
كما ينبغي أن ينص الدستور بوضوح على تجريم أي انقلاب أو هيمنة عسكرية، مع ضمان حق الجنوب في تقرير مصيره عبر استفتاء شعبي حر، بضمانات إقليمية ودولية. ويمكن أيضاً الاتفاق على إجراء استفتاء مستقبلي على الوحدة بعد فترة زمنية، يُمنح فيها الجميع فرصة لتقديم نموذج عادل ومستقر يعيد للوحدة الطوعية اعتبارها.
بهذا الوضوح والاحترام المتبادل، يمكن إعادة توحيد الصفوف وتصحيح المسار، بعيداً عن صراع المشاريع والدوران في حلقة مفرغة، واستعادة كرامة الوطن وحق الشعب في تقرير مصيره.
وفي ملاحظة إضافية، فإن ما طرحه الفريق الركن محمود أحمد سالم الصبيحي لا يخرج عن هذا الإطار. فالرجل عُرف بصراحته ووضوحه، ويعبّر علناً عما يُناقش في الغرف المغلقة. وهو ليس خصماً للجنوب أو قضيته، بل يستند إليها ويؤمن بها.
ما أثاره في ملاحظته – التي أثارت جدلاً واسعاً – كان إعادة التأكيد على حق الشعب في الجنوب في تقرير مستقبله، وانتقاد حالة الازدواجية والتيه السياسي التي أهدرت سنوات دون حسم: لا سلم ولا حرب، لا وحدة مستقرة ولا انفصال واضح.
كما أن دعمه لمحافظ لحج الجديد يعكس روح رجل الدولة، من خلال موقف عملي بعيد عن الاستعراض، في وقت كانت فيه بعض الزيارات السابقة تُثقل كاهل الناس بالمواكب العسكرية.
إن الانتقاد الموضوعي مرحب به، بل هو واجب وطني، لكن الإساءة الموجهة بدوافع ضيقة لا تخدم أحداً. ومن يعرف الرجل يدرك أنه يقبل النقد الصادق.
نسأل الله أن يجمع الكلمة ويوحد الصفوف لما فيه خير البلاد والعباد.