آخر تحديث :الإثنين-27 أبريل 2026-02:17م

عدن… تتنفس من ركام التكيّف

الأحد - 29 مارس 2026 - الساعة 04:01 م
عبدالناصر صالح ثابت

بقلم: عبدالناصر صالح ثابت
- ارشيف الكاتب


عندما زرت عدن بعد غياب دام ثلاثة عشر عامًا، توقعت أن أحتاج إلى خريطة… لكنني اكتشفت أنني أحتاج إلى “دليل

بقاء”. فالمدينة التي أعرفها لم تختفِ، لكنها قررت أن تعيش نسخة معدّلة مثل سيارات الغاز المنتشرة في كل مكان.

أول درس تعلمته: في عدن، الطاقة ليست مجرد خدمة… بل مغامرة يومية. محطات الغاز في كل زاوية، والسيارات

تعمل بالغاز، والناس كذلك—لكن المفاجأة أن الغاز يختفي نهارًا ويظهر ليلًا. إن أردت تعبئة سيارتك، عليك أن تضبط

جدولك وتسهر معها.

البناء العشوائي هنا ليس خطأ، بل يبدو وكأنه فلسفة تصميم: ابنِ حيثما وجدت فراغًا، وإن لم تجد… اصنعه. الشوارع

تضيق، والناس تتسع، والمدينة تحاول أن تتنفس بصعوبة… لكنها لا تشتكي.

وسط هذا الزحام، قررت عدن أن تنظم شيئًا واحدًا على الأقل: أسواق القات. تم نقلها إلى أطراف المدينة، في خطوة

تُحسب لها. لكن المفاجأة الكبرى كانت “خدمات غسيل القات”! نعم، القات الآن يُغسل… ربما ليصبح أكثر “أناقة”، أو

لنشعر نفسيًا أننا نتعامل مع منتج صحي!

بعض المكاتب الحكومية انتقلت إلى بيوت المسؤولين، ومواعيد العمل بها في المساء، في خطوة غير مسبوقة تخطّت كل

أنماط المفاجآت.

الشباب؟ لديهم جدول واضح: لا رياضة… نعم للقات، فالمجالس مكتملة العدد. يبدو أن اللياقة البدنية لم تعد أولوية، لكن

“لياقة الفك” في مضغ القات في أفضل حالاتها.

أما الإنترنت، فهنا تبدأ الكوميديا التقنية. كل حارة لديها شركة إنترنت خاصة، تعمل داخل حدودها فقط. إذا انتقلت إلى

الحارة المجاورة، فأنت الآن “متجول دوليًا” وتحتاج لاشتراك جديد، وكأنك تعبر حدود دولة، لا شارعًا.

أمنيًا، الوضع هادئ بشكل مدهش. نقاط التفتيش موجودة، لكن المرور—وللمفاجأة—لم يعد يمارس هواية تحرير

المخالفات الابتزازية كما في السابق. ربما قرروا التقاعد من هذا النشاط، أو اكتشفوا أن الناس لديها ما يكفي من

التحديات.

الكهرباء تأتي وتذهب كضيف غير ملتزم، والطرق المزدحمة والوعرة تحتاج إلى شجاعة لعبورها، والصرف الصحي

له رأي مستقل، والنظافة… مسؤولية مشتركة لا أحد يتذكرها. أما القمامة، فقد قررت أن تكون جزءًا من المشهد

الحضري.

ومن الأخبار الجيدة (نسبيًا): التسول أقل مما كان عليه. هل تحسّن الوضع؟ أم تغيّر الأسلوب؟ سؤال مفتوح… كغيره من

الأسئلة في عدن.

الأحاديث اليومية أيضًا تكيّفت. لا أحد يتحدث كثيرًا عن التعليم أو المواعيد. لكن هناك شيء ثابت لا يتغير: مواعيد

القيلولة تظل خطًا أحمر… أو بالأحرى “خطًا أفقيًا”.

وأخيرًا، عندما تنظر إلى الأسطح والجوانب، سترى الحل الحقيقي: الطاقة الشمسية. كل منزل ودكان تقريبًا لديه ألواحه

الخاصة، وكأن الناس قالوا: “شكرًا… سنتدبر أمرنا بأنفسنا”. وهكذا، أصبحت الشمس الموظف الوحيد الذي لا ينقطع.

ورغم كل هذا، الناس هادئون بشكل يثير الإعجاب… أو الاستغراب. لا ضجيج، لا شكوى عالية، فقط صبر طويل وأمل

مؤجل، وكأن الجميع متفق ضمنيًا على “التحمّل حتى إشعار آخر”.