آخر تحديث :الثلاثاء-31 مارس 2026-09:54م

تحرير عدن من بقايا مشروع المنحل ضرورة قصوى

الثلاثاء - 31 مارس 2026 - الساعة 07:02 م
المحامي صالح عبدالله باحتيلي

بقلم: المحامي صالح عبدالله باحتيلي
- ارشيف الكاتب


يجب أن يبدأ الحديث بوضوحٍ لا يقبل الالتباس، لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح أو يكتمل دون استعادة عدن أولاً، وتحريرها من بقايا المنحل التي عبثت بها وأغرقتها في الفوضى والانهيار. إن ترتيب الأولويات ضرورة لابد منها، فقبل أن نتحدث عن صنعاء، يجب أن نقف أمام واقع عدن بكل شجاعة، وأن نعمل على إنقاذها من آثار مرحلة كانت من أسوأ ما مرّ في تاريخ الجنوب وهي فترة حكم الانتقالي المنحل.

لقد كانت عدن مدينة منظمة، نابضة بالحياة، عنواناً للرقي المدني والتعايش، لكن ما تعرضت له على يد الانتقالي المنحلة لم يكن مجرد إخفاق إداري أو سياسي، بل كان تدميراً ممنهجاً طال كل شيء: الخدمات، الاقتصاد، النسيج الاجتماعي، وحتى كرامة الإنسان. هذا العبث لا يمكن التقليل من شأنه، بل إنه يفوق في خطورته ما حدث في أماكن أخرى، لأن عدن كانت نموذجاً يُحتذى به، وتم تحويلها إلى ساحة معاناة.

خلال سنوات سيطرتهم، ظن قادة تلك الميليشيات أنهم يمارسون “لعبة السياسة” بذكاء، بينما كانوا في الحقيقة يديرون واحدة من أكثر مراحل العبث فساداً وخداعاً. تم تجميع الإيرادات والمنح والدعم الخارجي—الذي تجاوز مليارات الدولارات—في حسابات خاصة، بينما تُرك الشعب يواجه الانهيار الخدمي والمعيشي. الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم… كلها تحولت إلى أدوات ضغط ومعاناة، لا لسبب سوى توظيفها سياسياً لإشعال الغضب الشعبي وتوجيهه نحو أطراف أخرى.

لقد كانت خطة قائمة على التضليل: تجويع الناس، إيقاف الخدمات، ثم تحميل المسؤولية على الحكومة الشرعية، على أمل كسب تعاطف الشارع واحتشاده خلفهم. والمأساة أن كثيرين صدقوا هذه الرواية، فاختلطت عليهم الحقيقة، وظنوا أن من يرهقهم هم أنفسهم “مناضلون”. لكن الحقيقة لا يمكن أن تُخفى طويلاً؛ فمن يقتل الناس جوعاً، أو يعبث بحياتهم اليومية لتحقيق مكاسب سياسية، لا يمكن أن يكون شريفاً، مهما رفع من شعارات.

إن السقوط الأخلاقي يسبق دائماً السقوط السياسي، وهذا ما حدث بالفعل. فالمشروع الذي بُني على معاناة الناس لا يمكن أن يستمر، والجهات التي اعتمدت على الفساد والارتزاق لن تجد لها مكاناً في مستقبل يُبنى على العدالة والشفافية. قد تبقى بعض الأصوات والأدوات، لكنها لن تكون إلا بقايا مرحلة لفظها الواقع.

إن ما شهدته عدن خلال تلك السنوات من تدهور اقتصادي، وانهيار في الخدمات، وسوء معيشة غير مسبوق، يُعد صفحة سوداء في تاريخ الجنوب، لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها. ولهذا فإن المهمة اليوم واضحة: تطهير آثار تلك المرحلة، إعادة بناء المؤسسات، واستعادة روح المدينة التي عُرفت بها.

تحرير عدن من بقايا الانتقالي المنحل هو مشروع طويل يتطلب إرادة حقيقية، وجهداً منظماً، وصبراً قد يمتد لسنوات. لكنه الطريق الوحيد نحو استعادة التوازن، وتهيئة الأرضية لأي حديث جاد عن استعادة صنعاء .