آخر تحديث :الأربعاء-01 أبريل 2026-05:09م

الوداع الاخير شاهداً على عظمته في قلوب الناس

الأربعاء - 01 أبريل 2026 - الساعة 01:00 م
عبدالرحيم المحوري

بقلم: عبدالرحيم المحوري
- ارشيف الكاتب


هناك رجال لا تراهم ولا تسمع لهم ضجيجًا أبدًا عندما يصبح الكلام لغة الميدان ويصبح بريق الأضواء عنوان الظهور، فسكوتهم هناء يخفي وجودهم، لذلك لن تراهم، فهم فقط موجودون عند المواقف التي تتطلب الأفعال لا الأقوال، وبعدها ينسحبون دون أن يشعر بهم أحد، تاركين الساحة لأبواق الكلام والباحثين عن الأضواء.


لذلك هؤلاء بالكاد أن تعرفهم، ومن هؤلاء فقيدنا الغالي المناضل الصلب محمد أحمد علي التواهي المحوري.


عاش هؤلاء الرجال بعيدًا عن زمن النفاق والبطولات المصطنعة، زمن الشيلات التي تروج كأنها إعلانات تجارية يراد بها أن تصل بأصحابها للشهرة وتبؤ المناصب القيادية دون عناء ومشقة ودون سنوات الابتلاء والتمحيص التي تمتحن فيها الرجال لمعرفة معادنها


لم يحصل التواهي على أي منصب منذ أن فصل في 86، وهو قائد كتيبة الدفاع الجوي في لواء 20. فكان مواطنًا بسيطًا يعيش حياة بسيطة، بعيدًا عن أي أضواء وبهرجة، صامتًا لا يتكلم عن أدواره التاريخية في زمن كثر فيه الغوغائيون والمناضلون وسارقي مآثر الآخرين.


ومع ذلك أحبه الناس حيث ما وجد، وحيث ما وطئت قدماه حبًا دون نفاق ولا مصالح، بل حبًا حقيقيًا نابعًا من القلوب لرجل لا يقابلك إلا بشوشًا، رغم ما نحتته فيه عوامل الجحود والنسيان.


فكان تأكيد ذلك الحب الحقيقي يوم وفاته في مشهد عظيم تقشعر منه الجلود، حيث توافدت الحشود بأعداد كبيرة قل من رأتها الأعين، فكانت من كل مكان، رغم ظرف الزمان الرمضاني والمرض المفاجئ الذي لم يمهله إلا أسابيع.


ذلك هو الحب الحقيقي للإنسان الذي يضعه لنفسه في قلوب الآخرين، وهو الميزان الحقيقي لمحبة الناس.


العميد الفقيد محمد أحمد علي التواهي المحوري: مواقف تاريخية وسجايا عاش بها بين الناس قد تذهل من يسمعها، شجاعة وعزة نفس وتواضع وأمانة وأخلاق حميدة، ومهارة في التصويب بكل أنواع الأسلحة، قل إن تجدها، فكل منها تحتاج لكتاب، ولكنها لا تدون، بل تبقى في قلوب من حضرها، وتتناقلها الألسن بعيدًا عن كتابة الأنامل، ليس جحودًا، وإنما لمعرفتهم بعدم اهتمام صاحبها بالكلام عنها، فما يفعله يفعله لأجل المواقف، فهي طبيعة مغروسة فيه.


ولأن أخلاقه تحتم عليه ذلك، ولأنه يؤثر على نفسه ولو به خصاصة ليريح قلبه ونفسه، وليس لأجل الذكر.


رجل فضل الصمت عن مآثره الكثيرة، والتي لو امتلك البعض موقفًا منها أو خصلة لاشعل الإعلام والمنتديات عبر أبواقهم التي يصنعها هؤلاء لتلميعهم.


لذلك ترك الحديث وعاش كإنسان بسيط، لا يمكن أن تعرفه إلا عند المواقف والشدائد، وهي ميادين امتحان الرجال وليس الأقوال.


لا أريد أن أتحدث عنه، فيكفي أنني مرة كنت في سيارة مع بعض الزملاء ذاهبين لحل مشكلة في إحدى القرى البعيدة من زنجبار، وكان معهم رجل لم تسبق لي معرفته من قبل، وهو شيخ من شيوخ القبائل المجاورة لمدينة مودية فكان الحديث عن الزمن الماضي، وعندما ذكر اسم لواء 20، قلت للشيخ: هل تعرف رجل اسمه التواهي؟ فاعتزى واستدار إلي ذلك الشيخ ونظر إلي مستغربًا من سؤالي، قائلًا: ذاك الموت لحمر، ولكن ما الذي ذكرك بالتواهي المحوري؟ هل يقرب لك؟ قلت: نعم، هو والدي.


فكان حديث طويل عن شجاعة الوالد ومواقفه في لقاء صدفة قطعه الوصول، فهكذا تختزن ذاكرة من يعرفه، وهكذا ناخذ مآثره دون أن نسمعها منه.


لا أريد أن أسطر مواقفه الكثيرة التي تجعلني أفخر بهذا الأب الصلب، الله يرحمه برحمته الواسعة، الذي عشق الشجاعة دون رياء ولا تعصب، بل عشقها لأنها تجري في دماءه منذ الصغر.


ما أكثر المواقف الذي تعرض لها، وكان الموت أمامه بخطوات فقط، ونجاه الله منها، حيث كان يقدم إليها دون تردد أو خوف، رجل تغذى من صلابة الجبال الشماء، وشرب الآباء والعزة من مآثر الأجداد.


خرج يومًا من سوق زنجبار كرجل بسيط يحمل بعض الأمتعة التي اشتراها لأسرته، وهو الرجل الذي لا يتعدى راتبه 16 ألف ريال، وفجأة يلاحظه محافظ المحافظة في ذلك الوقت اللواء فريد أحمد مجور، الذي كان في نزول ميداني لتفقد السوق في زمن الرجال الحقيقيين الحاملين للمسؤوليةوفجأة لاحت أمامه ملامح رجل يعرفه منذ عقود طويلة، رغم ما نحتته السنوات في ملامحه الذي كابد فيها ضنك العيش، فكيف لا يعرفه، فقد جمعته معه مواقف كثيرة زمن النضال والمخاطر في عدة منعطفات من مراحل تلك السنوات القاسية فقال مناديًا: أنت محمد أحمد المحوري، أليس كذلك؟ فالتفت الوالد مجيبًا وهو يحمل أمتعته البسيطة: نعم.


فقال: أين اختفيت كل هذا الوقت عن رفاقك؟ فوالله أننا نظن أنك قتلت في تلك الأحداث المشئومة لذلك غدا أريدك أن تأتي إلى مكتبي في المحافظة ضروري، فقال الوالد: إن شاء الله، واستمر الوالد مغادرًا.


ومرت الأيام ولم يذهب أبدًا، وكلمه الكثير من المقربين أن يذهب لتحل أموره، فيكفي كل تلك السنوات بعيدًا عن حقوقه، ومع ذلك لم يذهب، تمنعه عزته وانفته مهما كانت الظروف.


لذلك مرت الأيام والشهور وتغير المحافظ اللواء مجور دون لقاء، فهل هناك عزة مثل هذه لرجل طحنته الأوضاع الصعبة؟


لا أريد أن أذكر سجنه من قبل الإنجليز وهروبه، ولا ما تلاها يوم مسورة وردفان والجسر وعدن وزنجبار ويافع ومغادرته إلى تعز وعودته إلى عدن والوصول إلى علي عبدالله ميسري قائد الجيش ليسلمه وثائق سرية مرسلة من سالمين كانت نتائجها واضحة فيما بعد.


ولا أريد ذكر كذلك مواقفه القوية في مراحل انتقاله للمؤسسة العسكرية، فأغلبها قد ذكرتها في منشورات سابقة لي قبل حوالي سنة تقريبًا.


رجل عشق السلاح منذ نعومة أظافره ليس للمباهاة، وإنما للمواقف، لذلك لا يفرط في أسلحته مهما جارت عليه الأيام والسنين فيكفي أن تعرف أن مسدسه المكريوف يملكه منذ عمله في القوات المسلحة، ولا يفارقه أبدًا حتى عند ذهابه إلى عدن أو غيرها في أشد السنوات منعا لحمل السلاح، لأنه لا يمكن لأحد أن يراه، فهو ليس للعرض بل للمواقف.لذلك كانت عينه لا تخطئ هدفًا سدد نحوه سلاحًا أبدًا.


فقط ما ذكرته هي قفشات سريعة لمواقف صغيرة عابرة دون المواقف الكبيرة التي نسطرها من قبل، ونترك ما خفي من مواقف لفقيدنا لعلها تأتي من السنة من عرفه ورافقه أو من كان شاهدًا لبعضها لإنصافه ولو بالكلام رغم رحيله الذي وافق تاريخ 21(2(2026.


40 يوما منذ رحيله