آخر تحديث :الجمعة-03 أبريل 2026-01:00ص

بين خذلان "غزة" وحصاد "الدائرة": حين يسبق السيفُ عذلَ الندم

الخميس - 02 أبريل 2026 - الساعة 09:39 م
حسين السليماني الحنشي

بقلم: حسين السليماني الحنشي
- ارشيف الكاتب


إن ما تشهده المنطقة والعالم اليوم من أزمات طاحنة ليس إلا نتاجاً لخبث العابثين الذين عرفهم التاريخ في كل عصر؛ أولئك الذين يسعون في الأرض فساداً ويوقدون نيران الفتن. لكن الحقيقة المرة التي تتجلى اليوم هي أن العالم بأسره بات يدفع ضريبة التخاذل عما جرى في غزة؛ تلك البقعة التي تعرضت لعقوبات وجرائم استنكرها الشجر والحجر والبحر، وصمتت أمامها ضمائر البشر.

إن ما يبعث على الأسى واللوعة، أننا أمة نُدبت لحماية الفضائل ونصرة المستضعفين، إلا أننا عجزنا عن نصرة أهلنا في غزة، وهم إخواننا في الدين والدم والنسب. وبدلاً من إغاثتهم، تردد صدى كلمة الإذلال في سماء أقطارنا: "نخشى أن تصيبنا دائرة"؛ فكانت النتيجة مخزية، حيث هرعت أفواج تعلن الولاء لغير أهلها، وتتبرأ من أبناء جلدتها، بل وصل الحد ببعضهم إلى الوقوف في خندق المحتل، يشدون أزره ويتممون له ما عجز عن إنجازه بمفرده،

وعندما يُسأل هؤلاء عن سر هذا الخذلان، لا يجدون سوى الحجة ذاتها: "نخشى أن تصيبنا دائرة". ولقد أجابهم الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ. وها هو اليوم المشهود قد أتى، حيث بدأ الندم ينهش القلوب التي سهلت بصمتها أو تآمرها إعداد هذا الواقع الصعب الذي يطبق الخناق عليهم الآن.

لقد تكرر المشهد ذاته حين تكالبت القوى ضد عراق "صدام حسين" بعد استجابته لقرارات مجلس الأمن بالانسحاب من الكويت، وانجرفت وراء ذلك دول عربية بمسوغات شتى. واليوم، تدور الدوائر، ويدفع الجميع الثمن؛ فالعدوان الذي ظنوه بعيداً بات على الأبواب، ولا ينفع حينها ندم، فقد صدق فينا المثل: "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض".

إننا نراهم اليوم يعيشون حالة من الذعر والتحذر، ونسمع لسان حالهم من خلف الجدران ينادي بالويل والثبور: "يا ليتنا اتحدنا.. يا ليتنا تماسكنا.. يا ليتنا كونا حلفاً إسلامياً يحمي بيضتنا". لكنهم، وللأسف، استقووا بالأعداء وهم يعلمون أن المستجير بهم كالمستجير من الرمضاء بالنار.

لقد حان وقت الحصاد المر؛ وسيدفع المتخاذلون—ومعهم العالم الصامت—ثمن وقوفهم السلبي أمام الإجرام الذي استباح غزة، ليعلموا يقيناً أن الظلم إذا لم يجد من يردعه، فإنه نار ستحرق الجميع بلا استثناء.