آخر تحديث :الثلاثاء-14 أبريل 2026-12:51ص

مريم… أنشودة الطهر في زمن العواصف

الأحد - 05 أبريل 2026 - الساعة 04:57 م
د. سعيد سالم الحرباجي

بقلم: د. سعيد سالم الحرباجي
- ارشيف الكاتب


" قصة مريم عليها السلام في القرآن ليست مجرد حكاية تُروى أو سيرة تُسرد، بل هي مشهد إيماني نابض يتجلّى فيه صفاء الروح، ونقاء القلب، وصدق التوكّل في مواجهة أعنف الابتلاءات وأقسى الاتهامات."


لهذا لا يقدّمها القرآن كسرد تاريخي للأحداث الخارقة، ولا كمعجزة بيولوجية فريدة، بل كنموذج تربوي متكامل يعيد تشكيل الوجدان الإنساني، ويصحّح مسار التصوّر العقدي، ويبني الإنسان الرباني ليواجه أعتى صور الابتلاء.


ففي زمن تتكاثر فيه الأزمات، وتتشابك فيه الانكسارات...... تصبح قصة مريم أكثر حضورًا من أي وقت مضى، ليست كحكاية عابرة، بل كخريطة طريق للأمة في مواجهة المحن الكبرى.

ذلك أن الأزمة الحقيقية التي نواجهها اليوم .... لا تكمن في حجم التآمر الخارجي، ولا في شراسة الاستبداد الداخلي، بل في اختلال البوصلة العقدية، حين تنسى الأمة دورها وتهرب من الابتلاء بدلًا من فهم حكمته.


لهذا عرضها القرآن نموذجًا حيًا يخضع لقوانين الشعور والألم والخوف والرجاء، ليكون طريق الاقتداء به مفتوحًا أمام القلوب المؤمنة.


مريم عليها السلام :

هي تلك المرأة التي اصطفاها الله وطهّرها وأعدّها لحمل الأمانة العظمى، وهيّأها للثبات في وجه العواصف.


تبدأ القصة في ظلال المحراب، في جوٍّ من السكينة والصفاء .

وفي هذا الفيض الإيماني تنمو مريم....

تنمو روحًا قبل أن تنمو جسدًا، ويتهذّب قلبها قبل أن يكتمل عقلها، وتُهيَّأ لرسالة تهزّ التاريخ.

يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ

وكأن السماء تعلن أن هذه النفس ليست ككل النفوس، وأن هذا القلب قد أُعدَّ لأمر جلل.

فالاصطفاء لا يأتي ترفًا ولا تشريفًا مجردًا، بل تكليفًا ثقيلًا، وابتلاءً مرًّا، ومسؤوليةً قاسية.

لذا : كانت تربية مريم ( في المحراب ) هي الضمانة الكبرى لصمودها أمام تلك العاصفة.


وتكمن رمزية ( المحراب ) هنا ...

أن أي مشروع نهضوي لا ينطلق من إحياء المحراب في القلب والواقع، محكوم عليه بالإجهاض، مهما امتلك من أدوات التغيير

وواقع الأمة اليوم .... يشهد انهيار المحاريب المعنوية:

( ضعف الإيمان، غياب التربية القرآنية، تحوّل الدين إلى طقوس جوفاء، وانفصال القيم عن حركة الحياة ).


وهذا ما تجسّده مشاهد قصة مريم ...

فتلك المرأة العذراء تعرّضت لزلزال يهزّ الجبال قبل أن يزلزل القلوب !!!

ولكن ...

كان لذلك الإعداد الرباني في المحراب

الدور المحوري في الثبات، والصبر،

واليقين، والثقةالمطلقة في معية الله،

وتأييده، ونصره.


تجلّى ذلك بوضوح حينما واجهت مريم الطاهرة العفيفة تلك العاصفة القاسية، وتعرّضت لتلك المحنة العنيفة ...

وهاهي الاية تعرض المشهد ، وتصور أحداثه كأنه ماثل أمام العين الساعة :

فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ

جاءها وهي وحيدة، ضعيفة، خائفة…

تحمل في أحشائها سرًّا سيزلزل قومها زلزالًا...


هنا تبلغ الإنسانية ذروة ضعفها، وتبلغ الروح قمة توكّلها ...

وفي أجواء العاصفة المزلزلة تنكفئ مريم على نفسها فتنادي بصوت مبحوح فتقول :

يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا

وهكذا تفيض الآية بصدق الألم الإنساني، بلا تكلّف ولا تصنّع، ليبقى النموذج حيًّا، قريبًا من وجدان البشر.


وفي قاع الألم ... يتنزّل اللطف الرباني :

أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا

فما أرقّ هذا النداء، وما أعذبه!!!

حين تفيض رحمة الله في لحظة الانكسار..

حين تمتد اليد الحانية لتنقذ المستجير

من قاع الامتحان ...

فتبدّد الخوف، وتسكب الطمأنينة في القلب المرتجف.


في تلك اللحظات القاسية يطلب منها ربها أن تهزّ بجذع النخلة، ليتساقط الرطب...

وفي هذه الحركة ( إشارة بليغة ) إلى أن الأخذ بالأسباب لا يسقط حتى مع نزول المعجزة....

فما أن تساقطت حبات الرطب، وجرى نبع الماء بين يديها ....

حتى استجمعت قواها، ولملمت شتاتها، وحزمت أمرها، وعادت إلى أهلها ...


عادت وهي تحمل بين يديها طفلًا...

طفلًا : لا تفسير له في مقاييس البشر !!!

فتواجه عيونًا تتهم، وألسنةً تجرح، وقلوبًا تقسو....

لكنها لا تجادل، لا تدافع، لا تصرخ، لا تخوض معركة دفاع لفظية ...

فقط تشير إشارة، وتومئ إيماءة خجولة ..

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ

وفي لحظة ذهول تكلّم ذلك الغلام فقال :

إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ.

وهكذا كان الصمت قوة إيمانية عليا، نابعة من يقين راسخ بأن الله سيتولى الدفاع عن عباده الصالحين.


لقد واجهت مريم أعتى صور التشويه الأخلاقي...

لا لأنها أخطأت، بل لأنها حملت رسالة لا يفهمها الناس.

وكذلك تواجه الأمة اليوم حملة تشويه شاملة:

يُتَّهم وعيها بالإرهاب، وتُشوَّه قيمها، ويُقدَّم تاريخها بوصفه عبئًا، لا مصدر إلهام.


وفي هذا السياق، يبرز درس مريم:

أن النقاء لا يعفي من الاتهام، وأن طريق الإصلاح لا يخلو من التشويه، وأن الثبات على المنهج هو الردّ الأبلغ.


صمت مريم أمام سيل الاتهامات لم يكن عجزًا، بل وعيًا بحكمة اللحظة.

وفي واقع الأمة، حيث يعلو الضجيج الإعلامي، وتُدار الحروب النفسية بلا هوادة، قد يكون الصمت المدروس أحيانًا أبلغ من خطابات الاستجداء والتبرير.

" إن الأمة ليست مطالبة بالدفاع الدائم عن نفسها، بقدر ما هي مطالبة ببناء نموذجها الحضاري، حتى يتكفّل الواقع نفسه بتكذيب الاتهام "

وهكذا :

من رحم المعاناة خرج المسيح عليه السلام، رمز الرحمة والتجديد.


ومن منهج القرآن في عرض القصص نتعلم :

أولًا : أن التغيير لا يولد إلا من رحم الألم الواعي...

فآلام المخاض الذي أرهق مريم .... كانت نتيجته

( ولادة نبي )

والمخاض الذي تعيشه الأمة اليوم ـ رغم قسوته ـ قد يكون تمهيدًا لميلاد تاريخي جديد، شريطة أن يتحوّل الألم إلى وعي، والمعاناة إلى مشروع، والدموع إلى بناء.


ثانيًا : المعجزات وحدها لا تُحدث عملية تغيير ...

هزّ مريم بجذع النخلة وهي في تلك الوضعية

الغاية في الصعوبة ...

يعلّم الأمة أن التغيير لا يتم بالمعجزات وحدها...

بل بالسعي، والعمل، والتخطيط، والتضحية....

فلا نهضة بلا إعداد، ولا تغيير بلا وعي، ولا كرامة بلا ثمن.


الخلاصة الفكرية لقصة مريم :

لم تكن قصة مريم حكاية طهر فردي، بل منهج خلاص جماعي...

إنها تقول للأمة:

لا تخافي من طول الطريق، لا تجزعي من قسوة الابتلاء، لا تستصغري بذور الخير..

فالله يصنع من الألم ميلادًا، ومن العتمة فجرًا، ومن الضعف قوة.


وهكذا، تنتقل قصة مريم من صفحات المصحف إلى ساحات الواقع، لتصبح نداء يقظة، ومشروع بعث، وخارطة نجاة لأمة تبحث عن ذاتها وسط ركام العصور.