في بلد أنهكته الحرب، وتآكلت فيه مؤسسات الدولة، وتراجعت فيه الخدمات إلى حدودها الدنيا، لم تعد المساعدات الإنسانية كافية لوقف الإنهيار أو حتى لإبطائه ، اليمن وجد نفسه أمام تحدٍ وجودي يتطلب ما هو أبعد من الإغاثة الطارئة، يحتاج إلى مقومات دولة قابلة للنهوض.
في هذا السياق، برز البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن كأحد أهم أدوات التحول التي أعادت تعريف الدعم، ليس بوصفه إستجابة مؤقتة، بل كخطة متكاملة لإعادة بناء الدولة من الداخل، بتوجيهات القيادة السعودية ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وبإشراف مباشر من السفير محمد آل جابر.
منذ إنطلاقه في العام 2018 ، لم يتعامل البرنامج مع اليمن بإعتباره ساحة أزمة فقط، بل بإعتباره مشروع دولة قابلة للإستعادة، وقد تجسد هذا التوجه في طبيعة المشاريع التي تم تنفيذها، والتي لم تقتصر على توزيع المساعدات، بل إمتدت إلى إعادة تأهيل البنية التحتية التي تشكل عصب الحياة اليومية.
ولم يكن البرنامج مجرد خطة لتقديم مساعدات مؤقتة، بل مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة من جذورها من خلال تنفيذ 268 مشروعًا ومبادرة في 8 قطاعات مختلفه إستفاد منها أكثر من 6 ملايين شخص في 14 محافظة يمنية بالتعاون مع 72 شريكًا محليًا ودوليًا.
في مجال الطرق والنقل، أعيد تأهيل أكثر من 150 كيلومترًا من الطرق الحيوية بوصفها ليس مجرد مسارات إسفلتية بل شرايين ربط المدن ببعضها، وتخفيف عزلة المناطق والمدن، وفتح المجال أمام حركة التجارة والتنقل، كما شملت المشاريع تطوير الموانئ والمطارات، ما أعاد اليمن تدريجيًا إلى خارطة الإتصال بالعالم في مشهد يعكس إنتقالًا حقيقيًا من حالة الإنقطاع إلى بداية التعافي.
وفي بلد تعني فيه الكهرباء الفارق بين الإستقرار والفوضى، جاءت تدخلات البرنامج في قطاعي الطاقة والمياه لتشكل نقطة تحول ملموسة، فقد ساهمت محطات توليد الكهرباء ومشاريع الطاقة المتجددة في إستقرار التيار الكهربائي نسبيا، وإعادة تشغيل المستشفيات، وتمكين المدارس من الإستمرار، وإعادة الحد الأدنى من الإستقرار للحياة اليومية.
أما مشاريع المياه، فقد خففت من معاناة آلاف الأسر، وساهمت في الحد من إنتشار الأمراض، في وقت كانت فيه هذه الخدمات شبه غائبة في كثير من المناطق.
البرنامج لم يركز على الحجر فقط، بل إمتد إلى الإنسان نفسه .. ففي القطاع الصحي، تم إنشاء وتجهيز مستشفيات ومراكز طبية متكاملة، بما يوفر خدمات نوعية ومستدامة لملايين اليمنيين، وفي التعليم، شملت المشاريع بناء وتجهيز مدارس، وتحديث الجامعات والمراكز التدريبية، مع التركيز على تأهيل الكوادر وخلق فرص حقيقية للشباب لدخول سوق العمل، بما يربط بين التنمية الفعلية والحاجة المستقبلية لليمن إلى جيل قادر على البناء.
ولم يغفل البرنامج عن الريف اليمني، حيث كانت المشاريع الزراعية محورًا لإعادة الحياة إلى الأراضي المتأثرة بالصراع، ودعم المزارعين عبر توفير البذور والمعدات، وتشجيع زراعة المحاصيل الأساسية، ما ساهم في تعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الإعتماد على الإستيراد، وخلق فرص عمل، وتثبيت السكان في مناطقهم، في خطوة إقتصادية وإجتماعية في آن واحد.
في كل ماسبق برز الدور القيادي للسفير محمد آل جابر في هذه التجربة، حيث لم يتعامل مع الملف اليمني من زاوية دبلوماسية تقليدية، بل كملف تنموي ميداني، يقوم على المتابعة المباشرة والتنسيق مع مختلف الجهات، وتسريع وتيرة الإنجاز في بيئة شديدة التعقيد، ما منح البرنامج ميزة نادرة، وجعل السعودية طرفًا فاعلًا في التنفيذ لا مجرد ممول، وأكد الدور القيادي للسعودية في إدارة ملفات التنمية في بيئات صعبة ومعقدة.
يمثل حجم الدعم السعودي مؤشراً على ضخامة المشروع وأثره في الواقع، تجسد التأثير المباشر في حياة الناس، من طريق إختصر معاناة السفر، إلى مستشفى أعاد الأمل لمريض، ومدرسة فتحت أبوابها بعد سنوات من الإغلاق، ومدينة عادت إليها الحياة بعد إنقطاع طويل.
يمكننا القول أن ما تحقق عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يمثل خطوة حقيقية نحو التعافي، لأنه ربط بين الدعم والإستدامة، وبين الإغاثة والتنمية، وبين الحاضر والمستقبل. ومع استمرار هذا النهج، يظهر أن الدعم السعودي لم يعد مجرد مساهمة في تخفيف الأزمة، بل أصبح ركيزة أساسية في أي تصور واقعي لإعادة بناء اليمن وإستعادة عافيته، في إطار رؤية قيادة المملكة العربية السعودية التي تؤمن بأن إستقرار اليمن هو جزء لا يتجزأ من إستقرار المنطقة بأكملها.