لقد أظهرت الأحداث الأخيرة، وعلى وجه الخصوص الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حجم النضج السياسي والاتزان الاستراتيجي الذي تتمتع به القيادات في دول الخليج العربي، بما يعكس مدرسة راسخة في إدارة الأزمات، تقوم على الحكمة، وضبط النفس، وتغليب المصالح العليا.
فبرغم محاولات الاستدراج المتكررة لجر المنطقة إلى أتون مواجهة مفتوحة، وما رافق ذلك من استهداف مباشر وغير مباشر لعدد من دول الخليج عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلا أن هذه القيادات أثبتت قدرتها الفائقة على امتصاص الصدمات، واحتواء التصعيد، وتفويت الفرصة على كل من يسعى لإشعال فتيل حرب إقليمية شاملة.
لقد كانت تلك الضربات اختباراً حقيقياً، ليس فقط للقدرات العسكرية، بل لصلابة القرار السياسي، حيث اختارت دول الخليج أن تضع مصلحة الأمة العربية والإسلامية فوق كل اعتبار، وأن تنأى بشعوبها عن ويلات الحروب، متمسكة بخيار العقل والحكمة بدل الانجرار خلف ردود الفعل المتسرعة.
وفي ذات السياق، برزت الجاهزية العالية لوحدات الدفاع الجوي في دول الخليج، التي أظهرت كفاءة احترافية في التعامل مع التهديدات الجوية، حيث تمكنت، وبنسب متفاوتة، من التصدي للصواريخ والطائرات المعادية، في مشهد يعكس حجم التطور العسكري والانضباط العملياتي.
وقد كانت دولة الإمارات العربية المتحدة في طليعة الدول التي تعرضت لأكبر عدد من الهجمات، تلتها كل من الكويت، والبحرين، وقطر، والمملكة العربية السعودية، وجميعها أثبتت جاهزية عالية، وكفاءة مشهودة لقادتها وضباطها وجنودها في ميادين الدفاع الجوي.
إن ما شهدناه لا يمكن قراءته كحدث عابر، بل هو انعكاس لنهج استراتيجي متكامل، يقوم على التوازن بين القوة والتهدئة، وعلى إدارة الصراع بعقلانية، بعيداً عن الانفعال أو التهور. وقد نجحت القيادات الخليجية في إحباط كل محاولات النيل منها أو التشكيك في قدرتها على حماية أوطانها، بل وأكدت أنها عنصر استقرار رئيسي في المنطقة.
وإن هذه الحكمة السياسية والعسكرية، التي تجلت في أحلك الظروف، تمثل اليوم صمام أمان ليس فقط لدول الخليج، بل للمنطقة بأسرها، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: السيادة الواعية، والقرار المستقل، والشراكة في حفظ الأمن والسلم الإقليمي والدولي.