الحقيقة المرة التي يهرب منها الجميع في اليمن هي أن الشعارات لا تطعم جائعاً، والخنادق لا تبني مدرسة. لقد استهلكنا عقوداً في ملاحقة أوهام “التمكين” و”المقاومة” و”الثورة”، والنتيجة؟ ريال منهار، ومدن مقطعة، وشعب يبحث عن لقمة عيشه في طوابير الإغاثة.
بينما كان جيراننا يبنون مدن المستقبل وينافسون في أسواق التكنولوجيا العالمية، كنا نحن غارقين في صراعات مذهبية وتفسيرات تاريخية لا ناقة لليمني فيها ولا جمل. تحول اليمني – المكافح بطبعه – إلى مجرد وقود في حروب بالوكالة تخدم أجندات عابرة للحدود، بينما تظل مصلحته اليومية في ذيل القائمة.
انظروا إلى النماذج التي بدأت تظهر في الساحل الغربي (المخا نموذجاً)؛ هناك لغة جديدة بدأت تفرض نفسها: لغة الموانئ، المطارات، والكهرباء. هذه هي “الشرعية الحقيقية” التي يحتاجها الناس، لا شرعية الشعارات الجوفاء التي لم تجلب سوى الفقر والجبايات. الناس اليوم لا يسألون عن “أيديولوجيا” الحاكم، بل يسألون عن “إنجازاته”؛ هل وفر الأمن؟ هل أضاء الشوارع؟ هل فتح آفاقاً للعمل؟
العالم لا ينتظرنا، والنظام الدولي الجديد لا يعترف إلا بلغة المصالح والنمو. الناجون في هذا العصر هم فقط من يمتلكون “تكنولوجيا الاستقرار” والقدرة على تحويل جغرافيتهم وسواحلهم إلى ممرات للتجارة العالمية، لا إلى منصات للتهديد والابتزاز.
الاعتراف بـ “الإرهاق الأيديولوجي” ليس استسلاماً، بل هو شجاعة “الإنسان اليمني” الذي قرر أخيراً أن يضع الخبز فوق الخنادق، والتنمية فوق الشعارات. الطريق الثالث يلوح في الأفق؛ طريق الواقعية والرفاه، فهل نحن مستعدون للمكاشفة، أم سنظل نتمسك بأوهامنا حتى يبتلعنا التاريخ؟