آخر تحديث :الإثنين-06 أبريل 2026-10:51م

أزمة السيولة في عدن: لماذا فقدت الدولة السيطرة على النقد؟

الإثنين - 06 أبريل 2026 - الساعة 09:05 م
نايف حمود العزي

بقلم: نايف حمود العزي
- ارشيف الكاتب


من يتحكم فعليًا في السيولة النقدية في عدن: البنك المركزي أم شبكات تعمل خارج الدولة؟




هذا السؤال لا يتعلق فقط بتوزيع النقد، بل بطبيعة النظام المالي نفسه. ففي الاقتصادات المستقرة، يُفترض أن البنك المركزي يسيطر على عرض النقد (MS) عبر أدواته، وأن البنوك تمثل القناة التي تنتقل عبرها هذه السيطرة إلى السوق. غير أن هذا التصور يفترض وجود “نظام مالي واحد”.




في عدن، هذا الافتراض لم يعد قائمًا.




ما نشهده ليس ضعفًا في النظام المصرفي، بل انفصالًا بين نظامين ماليين يعملان بالتوازي: نظام رسمي محدود التأثير، ونظام غير رسمي يحدد فعليًا حركة السيولة.




ومن هنا، لا تكمن المشكلة في حجم السيولة، بل في أن:




السيولة تتحرك داخل نظام لا تستطيع الدولة رؤيته بالكامل، فضلًا عن التحكم فيه








أولًا: من يملك السيولة يملك السوق




في النظرية النقدية، يُفترض أن السيطرة على عرض النقد تعني القدرة على التأثير في الاقتصاد. لكن هذه القاعدة تنهار عندما لا يكون البنك المركزي هو الجهة التي تتحكم فعليًا في الكتلة النقدية المتداولة.




في عدن، جزء كبير من السيولة: لا يمر عبر البنوك، لا يُسجَّل ضمن النظام المالي الرسمي، ولا يخضع لأي رقابة مؤسسية.


وبذلك، لا يعود عرض النقد متغيرًا يمكن إدارته، بل يصبح ساحة موزعة بين فاعلين متعددين.




غير أن الأخطر ليس فقط في حجم هذه السيولة، بل في سرعة دورانها. ففي النظام غير الرسمي، تتحرك السيولة بوتيرة عالية ومتقلبة، مدفوعة بالمضاربة والخوف وتغير التوقعات، ما يجعل أثرها على الأسعار أسرع وأكثر حدة. وبهذا، لا يصبح التحكم في حجم النقد كافيًا، لأن المشكلة تنتقل إلى سرعة انتقاله داخل السوق.








ثانيًا: الصرافة ليست وسيطًا… بل هي النظام




الخطأ التحليلي الشائع هو التعامل مع الصرافة بوصفها “قطاعًا مكملًا” للنظام المصرفي. لكن في عدن، الواقع مختلف:


الصرافة لم تعد وسيطًا… بل أصبحت هي النظام المالي الفعلي




فهي:


تدير السيولة اليومية، تموِّل التجارة، تحدد أسعار الصرف، وتعيد توزيع النقد داخل السوق.




وبينما يعمل البنك المركزي عبر أدوات تنظيمية، تعمل الصرافة عبر منطق السوق المباشر.




غير أن صعود هذا النظام لا يعود فقط إلى كفاءته، بل إلى أزمة ثقة عميقة في المؤسسات الرسمية. فالتجار لا يختارون الصرافة لأنها أكثر تنظيمًا، بل لأنها أكثر قابلية للتنبؤ في بيئة فقدت فيها المؤسسات قدرتها على تقديم ضمانات مستقرة.




وهنا يحدث التحول الحاسم:


تنتقل الثقة من الدولة… إلى الشبكات الموازية








ثالثًا: السيولة كشبكة… لا ككتلة




في الأدبيات التقليدية، يُنظر إلى السيولة ككتلة نقدية يمكن قياسها وضبطها. أما في عدن، فالسيولة تعمل كـ شبكة تدفقات:


• تحويلات خارجية تدخل عبر قنوات غير مصرفية


• تدفقات نقدية بين التجار


• سيولة تُخزَّن خارج النظام البنكي


• حركة سريعة بين العملات




هذه الشبكة: لا مركز لها، لا مسار ثابت، ولا نقطة تحكم واحدة.




وهنا لا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن الانقسام النقدي الأوسع، حيث أدى تعدد مراكز القرار بين عدن وصنعاء إلى تسييس النقد ذاته، وتحويله من أداة اقتصادية إلى أداة ضمن توازنات الصراع. ومع هذا التشظي، لم يعد هناك مركز نقدي واحد، بل منظومة متداخلة تعزز بدورها هذا النمط اللامركزي من حركة السيولة.




وبذلك، لا يمكن “ضبطها” بالمعنى التقليدي، لأنها لا تمر عبر نقطة يمكن ضبطها.








رابعًا: لماذا تفشل أدوات الضبط؟




تحاول السياسات النقدية فرض قيود أو تنظيمات لضبط السيولة، لكنها تصطدم بحقيقة بنيوية:




الدولة تحاول تنظيم نظام لا تسيطر عليه




فعندما تُفرض قيود داخل النظام الرسمي:


• لا تختفي السيولة


• بل تنتقل إلى القنوات غير الرسمية




وهنا تتجسد مفارقة الضبط:


كلما ضاق الإطار الرسمي… اتسعت الشبكة الموازية




وبذلك، لا يفشل الضبط بسبب ضعف الأدوات، بل بسبب عدم تطابقها مع طبيعة النظام الذي تحاول السيطرة عليه.








خامسًا: السيولة وسعر الصرف—العلاقة الخفية




في هذا السياق، لا يُفهم سعر الصرف (EX) كمتغير مستقل، بل كنتيجة مباشرة لحركة السيولة.




فعندما تتحرك السيولة خارج الرقابة:


• تتحول بسرعة إلى طلب على العملات الأجنبية


• تغذي المضاربة


• وتدفع الأسعار إلى الارتفاع




وبذلك، لا يكون سعر الصرف نتيجة لسياسة نقدية، بل:


انعكاسًا لمسارات سيولة لا يمكن تتبعها بالكامل








خاتمة: من فقدان السيطرة إلى إعادة تعريف النظام




لا تعاني عدن من نقص السيولة، بل من غياب المركز الذي يحدد كيف تتحرك هذه السيولة.




ففي ظل نظام مالي مزدوج، وشبكة تدفقات غير مرئية، وتراجع دور المؤسسات، لم تعد الدولة تتحكم في النقد، بل تتعامل مع نتائجه فقط.




المشكلة ليست في ضعف البنك المركزي، بل في أن:




النقد في عدن لم يعد يمر عبر البنك المركزي أصلًا، بل يتشكل خارجه.




غير أن استعادة السيطرة على السيولة في مثل هذا السياق لا تعني بالضرورة إعادة إنتاج النموذج المصرفي التقليدي، بل تفتح المجال للتفكير في نموذج بديل يقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة وهذه الشبكات التي تدير النقد فعليًا.




فبدلًا من الاستمرار في مقاربات رقابية تقليدية أثبتت محدوديتها، يبرز اتجاه يقوم على دمج هذه الشبكات تدريجيًا ضمن بنية تنظيمية رقمية، تسمح برصد التدفقات النقدية وتتبعها، دون تعطيل مرونتها أو دفعها إلى مزيد من التخفي.




هذا النموذج—الذي يقوم على “تجسير الفجوة” بين الرسمي وغير الرسمي—لا يسعى إلى إلغاء الاقتصاد الموازي، بل إلى إعادة توجيهه ضمن إطار يمكن للدولة أن ترى من خلاله حركة السيولة حتى إن لم تمر عبر القنوات المصرفية التقليدية.




وفي هذا السياق، لا تصبح الرقابة عملية احتواء مباشر، بل عملية إدارة عبر الشفافية التقنية، حيث تُبنى القدرة التنظيمية على فهم التدفقات قبل محاولة السيطرة عليها.




وبذلك، لا يمكن الحديث عن استقرار نقدي دون إعادة بناء الثقة، وإعادة تصميم القنوات التي تربط الدولة بالسوق—ليس لاستعادة نموذج سابق، بل لبناء نموذج جديد يتوافق مع واقع اقتصاد فقد مركزه النقدي.