آخر تحديث :الثلاثاء-07 أبريل 2026-12:54م

أزمة السيولة في الريال اليمني بين اختلال السياسات وفقدان الثقة والحلول الممكنة.

الإثنين - 06 أبريل 2026 - الساعة 11:34 م
د. عارف محمد عباد السقاف

بقلم: د. عارف محمد عباد السقاف
- ارشيف الكاتب


بقلم: د/ عارف محمد عباد السقاف

استاذ اقتصاد الاعمال المشارك


تشهد الساحة الاقتصادية في اليمن، وتحديدا في المناطق الخاضعة للحكومة، حالة متفاقمة من شح السيولة النقدية بالريال اليمني، وهي أزمة لم تعد مجرد ظاهرة نقدية عابرة، بل أصبحت تعكس اختلالات عميقة في إدارة السياسة النقدية والمالية، وتدهورا واضحا في مستوى الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الرسمية.

من أبرز العوامل التي ساهمت في تفاقم هذه الأزمة، التوقعات المتزايدة بإقدام الحكومة على خفض قيمة صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني. هذه التوقعات خلقت سلوكا احترازيا لدى التجار والبنوك التجارية، تمثل في احتفاظهم بكميات كبيرة من السيولة النقدية وعدم ضخها في السوق. الهدف من هذا السلوك هو إعادة توظيف هذه السيولة لاحقا عند حدوث انخفاض في أسعار العملات الأجنبية، لتحقيق مكاسب سريعة من فروقات الصرف. وبهذا، تحولت السيولة من وسيلة لتنشيط الاقتصاد إلى أداة للمضاربة، مما أدى إلى انكماش نقدي حاد في السوق المحلية.

إلى جانب ذلك، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو امتناع عدد كبير من المؤسسات والمصالح الحكومية عن توريد إيراداتها إلى البنك المركزي في عدن. هذا السلوك أدى إلى تجفيف أحد أهم منابع السيولة، حيث أن الإيرادات العامة يفترض أن تعاد ضخها في الاقتصاد عبر الإنفاق الحكومي، خاصة في بند الرواتب والنفقات التشغيلية. لكن مع بقاء هذه الإيرادات خارج القنوات الرسمية، تتعطل الدورة النقدية وتزداد الأزمة تعقيدا.

كما أن انعدام الثقة في النظام المصرفي يمثل عاملا حاسما في تعميق المشكلة. فالتجار ورجال الأعمال يفضلون الاحتفاظ بأموالهم خارج الجهاز المصرفي، سواء بشكل نقدي أو عبر قنوات غير رسمية، خوفا من القيود أو المخاطر المحتملة. هذا السلوك يؤدي إلى تقليص الودائع المصرفية، وبالتالي يضعف قدرة البنوك على الإقراض وتمويل الأنشطة الاقتصادية، ويحد من قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة بفعالية.

وتتجلى نتائج هذه الأزمة في عدة مظاهر، أبرزها عجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين بشكل منتظم، وتعطل الكثير من الأنشطة التجارية، وارتفاع تكاليف المعاملات، إضافة إلى زيادة الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي، بما يحمله من مخاطر على الاستقرار المالي والنقدي.

الحلول المقترحة:

لمعالجة أزمة السيولة، لا بد من تبني حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات، من أبرزها:

إعادة الثقة في الجهاز المصرفي:

عبر ضمانات حكومية واضحة للودائع، وتفعيل الرقابة على البنوك، وإيجاد بيئة مصرفية مستقرة تشجع على إعادة الأموال إلى النظام البنكي.

إلزام المؤسسات الحكومية بتوريد الإيرادات:

من خلال تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة، وربط الصرف الحكومي بمدى التزام الجهات بتوريد مواردها إلى البنك المركزي.

تنشيط أدوات السياسة النقدية:

مثل إصدار أذون خزانة أو أدوات مالية قصيرة الأجل لامتصاص أو ضخ السيولة عند الحاجة، بما يساهم في إدارة السوق النقدي بشكل أكثر مرونة.

ضبط المضاربة في سوق الصرف:

عبر إجراءات تنظيمية ورقابية تحد من احتكار السيولة، وتمنع التلاعب بأسعار الصرف، مع تعزيز الشفافية في السوق.

إعادة جدولة الرواتب والنفقات العامة:

لضمان ضخ منتظم للسيولة في السوق، حيث أن الرواتب تمثل أحد أهم محركات الطلب والنشاط الاقتصادي.

تعزيز الشمول المالي:

من خلال التوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، وتقليل الاعتماد على النقد، مما يخفف الضغط على السيولة الورقية.

تنسيق السياسة المالية والنقدية:

بحيث تعمل الحكومة والبنك المركزي ضمن رؤية مشتركة، توازن بين استقرار الأسعار وتوفير السيولة وتحفيز النمو.

إن أزمة السيولة في الريال اليمني ليست مجرد نقص في النقد، بل هي نتيجة تراكمات من السياسات غير المتناسقة، وضعف الثقة، وسلوكيات اقتصادية مضطربة. ومعالجة هذه الأزمة تتطلب إرادة حقيقية لإصلاح الاختلالات، وإعادة بناء الثقة، وتفعيل مؤسسات الدولة المالية والنقدية بشكل مهني وشفاف، بما يسهم في استعادة التوازن للاقتصاد وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.