ليست كل مناطقية وليدة فراغ الدولة أو ضعفها، فثمة شكل أعمق وأكثر صلابة، يمكن توصيفه بـ“العصبية”. هنا لا تنشأ الظاهرة بوصفها ردّ فعل مؤقت على غياب المؤسسات، بل كقوة كامنة سابقة على الدولة، قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى في ظل وجود الدولة، بل وأحياناً على حسابها.
العصبية، بهذا المعنى، ليست مجرد انتماء جغرافي، بل رابطة كثيفة من الثقة المغلقة، تقوم على شعور جمعي بالتمايز والأحقية، وتمنح أبناءها أفضلية ضمنية في التمكين والاقتراب من مركز القرار. وهي، بخلاف المناطقية “الوظيفية” التي تنحسر مع تعافي الدولة، تميل إلى التمدد والإمساك بالقرار في مختلف المستويات، لأنها تستمد مشروعيتها من ذاتها، لا من الحاجة الطارئة.
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة ما جرى داخل المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل -لكي لا تتكرر التجربة البائسة لهذا المكون المنحل- بوصفه تجلياً لعصبية متماسكة أكثر منه انعكاساً لفراغ مؤسسي. فتمركز القيادة السياسية الفاعلة داخل نطاق جغرافي محدد، وهيمنة النمط ذاته على التكوينات العسكرية بنسبة طاغية، لا يبدوان كخيار تنظيمي عابر، بل كآلية واعية – أو شبه واعية – لضمان احتكار القوة داخل دائرة يمكن الوثوق بها إلى أقصى حد.
هذه العصبية لا تتوقف عند حدود التشكيل، بل تمتد إلى الفعل. إذ يصبح استخدام القوة – الأمنية والعسكرية – محكوماً بمنطق حماية الجماعة وتوسيع نفوذها. ومن هنا، فإن أنماط النهب والتعدي على الممتلكات والمصالح العامة والخاصة، وكذلك وقائع العنف في مناطق السيطرة، يمكن فهمها بوصفها امتداداً لسلوك جماعي يتغذى من شعور بالأحقية، لا مجرد تجاوزات فردية معزولة.
ومع إحكام السيطرة على الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للدولة، تتكرس الظاهرة عبر “تدوير العصبية داخل الدولة” حيث تُعاد صياغة المؤسسات وفق معيار الانتماء، لا الكفاءة. فتتحول الدولة – في حدود السيطرة – إلى غلاف شكلي، بينما تُدار فعلياً بمنطق الجماعة، ويُعاد إنتاج النفوذ عبر تعيينات تدور في الفلك ذاته.
أما القادمون من خارج هذه العصبية، فينخرطون – غالباً – عبر مسارين واضحين: أقلية مدفوعة بعاطفة صادقة تجاه فكرة الجنوب، فتتجاوز تناقضات الواقع أملاً في تحقيق الحلم، وأغلبية تتحرك ضمن ما يمكن تسميته بـ“سوق الولاءات”، حيث يُعاد توزيع الموارد – بدعم خارجي سخي وموارد محلية منهوبة أو مُدارة بلا رقابة – لشراء الانخراط وضمان الاستمرار. في الحالتين، يظل مركز الثقل خارجهم، لأن العصبية لا تُسلم قيادها إلا لأبنائها.
المفارقة أن العصبية تمنح الكيان قوة تماسك عالية، لكنها في الوقت ذاته تضع له سقفاً لا يمكن تجاوزه. فهي تُنتج ولاءً صلباً، لكنه محدود الامتداد، وتبني نفوذاً مركّزاً، لكنه غير قابل للتحول إلى مشروع جامع. ومع الزمن، تبدأ التناقضات في الظهور: بين خطاب يدّعي التمثيل العام، وبنية تحتكر القرار، وبين طموح يتسع جغرافياً، وأداة تضيق به اجتماعياً.
إن الإشكال هنا ليس في وجود رابطة اجتماعية قوية – فذلك معطى إنساني – بل في تحوّلها إلى معيار حاكم للسياسة، ومصدر وحيد للشرعية. عند هذه النقطة، لا تعود الدولة إطاراً أعلى، بل تصبح ملحقة بالعصبية، تُستخدم وتُعاد صياغتها لخدمتها.
وعليه، فإن تجاوز هذه الحالة لا يكون بالصدام مع العصبية مباشرة، فالصدام قد تكون له تبعات عالية الكلفة إجتماعياً، إلا إذا تحولت لتنظيم عسكري يسعى للسيطرة بالقوة المسلحة، البديل بناء يتفوق عليها -خصوصاً بعد حل الإنتقالي إو إنحلاله- مؤسسات تُنتج ثقة أوسع من ثقة الجماعة، ونظام يفتح مسارات الصعود على أساس الكفاءة، واقتصاد يحرر الأفراد من الارتهان لشبكات الولاء. لأن العصبية، مهما بدت قوية، تفقد مبررها حين تجد الدولة طريقها إلى الناس، لا بوصفها شعاراً، بل كواقع يلمسونه في العدل والفرص.