هل قرأت يوما عن ما عُرف في الأدبيات السياسية الغربية بـ"المسألة الشرقية" و"المسألة اليهودية"؟، وهل تأملت كيف اندمجت الثانية في أهداف الأولى، فولد من هذا الاندماج هذا الكيان المعروف بـ"إسرائيل"؟!.
إذا لم تفعل، فثمة فجوة في وعيك بجذور الصراع القائم، وقصور في فهم حقيقة المشروع الصـ.هيوني وعلاقته الوجودية بالمشروع الإمبريالي الغربي، وعجز عن تفسير كثير من الروابط الزمنية والموضوعية بين الأحداث الكبرى التي عصفت بالمنطقة منذ قرن ونصف إلى اليوم.
فـ"المسألة الشرقية" لم تكن مجرد نقاش أوروبي حول تقاسم تركة الدولة العثمانية، بل كانت تعبيرا عن قلق حضاري وجيوسياسي من العالم الإسلامي: هويته الجامعة، وموقعه الاستراتيجي، ووحدته السياسية.
أما "المسألة اليهودية"، فهي في أصلها معضلة غربية داخلية، تتعلق بموقع اليهود في المجتمعات الغربية، وما نتج عنها من صراعات عنصرية وانقسامات اجتماعية. لكن العقل الغربي لم يبحث عن حلها داخل أوروبا، بل بحث عن تصديرها إلى الخارج، ليدمجها في قلب أهداف المسألة الشرقية، بتبني قضية كيان قومي لليهود في فلسطين، ليس بعين العطف عليهم، ولكن ليكون ذراعا استعمارية له في قلب العالم.
ومن هذا الاندماج نشأ المشروع الصـ.هيوني بوصفه منتجا امبرياليا غربيا، ثم تم توظيف السرديات الصـ.هيونية الدينية بشقيها: اليهودي والبروتستانتي لخدمته.
ومنذ تلك اللحظة، في أواخر القرن التاسع عشر، تمحورت ثوابت السياسة الاستعمارية الغربية حول ثلاثة أهداف: إسقاط الخلافة، وتقسيم المنطقة، وإنشاء كيان قومي لليهود في فلسطين.