آخر تحديث :الأربعاء-08 أبريل 2026-11:28م

تراجع ترامب: مناورة أم هزيمة؟!!

الأربعاء - 08 أبريل 2026 - الساعة 08:20 م
فضل علي مندوق

بقلم: فضل علي مندوق
- ارشيف الكاتب


بقلم: م.فضل علي مندوق


تطرح التحولات الأخيرة في مسار الأزمة الإقليمية سؤالاً محورياً يتجاوز القراءة السطحية للأحداث: هل يشكّل تراجع الرئيس دونالد ترامب عن منطق التصعيد خطوة تكتيكية محسوبة ضمن استراتيجية أوسع، أم أنه يعكس إخفاقاً فعلياً في فرض معادلة ردع مستدامة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي مقاربة تحليلية تتجاوز ثنائية الانتصار والهزيمة، وتنخرط في تفكيك ديناميات القوة في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد.

لا يمكن فهم هذا التراجع بمعزل عن التحولات البنيوية في مفهوم القوة ذاته. فقد أفضت التفاعلات الأخيرة إلى بروز نمط مركّب من الصراع، لم تعد فيه الأدوات العسكرية كافية لحسم النزاعات، بل غدت الأسواق المالية، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية عناصر حاكمة في تشكيل موازين القوى. وفي هذا السياق، يصبح قرار التهدئة أقرب إلى استجابة اضطرارية لضغوط هيكلية، لا مجرد خيار سياسي طوعي.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة انخراط الإدارة الأمريكية في هدنة مؤقتة بوصفه إعادة تموضع محسوبة تهدف إلى احتواء الكلفة المتصاعدة للتصعيد. فالتوترات الحادة في أسواق الطاقة، والاضطرابات التي طالت البورصات العالمية، فرضت على صانع القرار في واشنطن معادلة دقيقة: الحفاظ على مصداقية الردع من جهة، وتجنب الانزلاق إلى أزمة اقتصادية ممتدة من جهة أخرى. وعليه، فإن التراجع الظاهري لا يعكس بالضرورة انكساراً استراتيجياً، بل قد يكون تعبيراً عن انتقال مرحلي من منطق الصدمة إلى منطق الإدارة المتدرجة للأزمة.

في المقابل، لا يمكن إغفال أن هذا التراجع قد فُسِّر، في بعض الأوساط الإقليمية والدولية، باعتباره مؤشراً على حدود القوة الأمريكية في فرض إرادتها بشكل أحادي. فاستمرار التوتر في نقاط الاختناق الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، أظهر أن أدوات الضغط التقليدية لم تعد كافية لإخضاع الخصوم أو ردعهم بشكل حاسم. بل إن توظيف الجغرافيا السياسية كورقة ضغط أسهم في تعقيد المشهد ورفع كلفة أي مواجهة مفتوحة إلى مستويات غير مسبوقة.

هذا التداخل بين الإكراه الاقتصادي والتحدي الجيوسياسي يجعل من توصيف “التراجع” مسألة نسبية. فمن جهة، يمكن اعتباره مناورة تكتيكية تهدف إلى شراء الوقت، وإعادة ترتيب الأولويات، وامتصاص الضغوط الداخلية والخارجية. ومن جهة أخرى، قد يُقرأ كإقرار ضمني بأن التصعيد بلغ سقفاً لا يمكن تجاوزه دون أثمان استراتيجية باهظة، وهو ما يضعف سردية الحسم السريع التي رافقت الخطاب السياسي في المراحل الأولى للأزمة.

إقليمياً، انعكس هذا الوضع في تبني دول الخليج مقاربة حذرة قائمة على “التحوط النشط”، حيث سعت إلى موازنة دعم جهود التهدئة مع تعزيز قدراتها الدفاعية. فهذه الدول تدرك أن أي تراجع في مستوى الانخراط الأمريكي الصلب قد يفتح المجال أمام اختلالات في ميزان القوى الإقليمي، وهو ما يفرض عليها إعادة تقييم سياساتها الأمنية في ضوء معطيات أكثر سيولة وأقل يقيناً.

أما على الصعيد الدولي، فقد قوبلت التهدئة بترحيب حذر، لا سيما في أوروبا التي تخشى تداعيات أي اضطراب جديد في أسواق الطاقة. وفي الوقت ذاته، برزت محاولات من قوى دولية أخرى للعب دور الوسيط، في مسعى لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صراع واسع النطاق قد يهدد استقرار النظام الدولي برمته. ويعكس هذا الحراك إدراكاً متزايداً بأن إدارة الأزمات المعاصرة لم تعد حكراً على قوة بعينها، بل أصبحت عملية متعددة الأطراف تتداخل فيها المصالح والتوازنات.

إن هشاشة الهدنة القائمة تعزز من فرضية أن ما يجري ليس تسوية حقيقية بقدر ما هو “تعليق مؤقت للصراع”. فالتباينات الجوهرية في الرؤى، واستمرار انعدام الثقة، وغياب الضمانات البنيوية، كلها عوامل تجعل من احتمالات الانهيار قائمة في أي لحظة. وفي هذا الإطار، تكتسب المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد أهمية خاصة، باعتبارها اختباراً لمدى استعداد الأطراف للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها جذرياً.

غير أن المؤشرات الراهنة لا توحي بإمكانية تحقيق اختراق نوعي في المدى القريب، في ظل ارتفاع الكلفة السياسية الداخلية لأي تنازلات جوهرية. وعليه، يبقى المشهد مفتوحاً على سيناريوهين متوازيين: إما تثبيت حالة “السلم البارد” القائمة على الردع المتبادل، أو الانزلاق مجدداً إلى دائرة التصعيد بفعل خطأ حسابي أو تطور ميداني غير محسوب.

في ضوء ما سبق، لا يمكن الجزم بأن ما حدث يمثل هزيمة صريحة أو مناورة خالصة، بل هو أقرب إلى إعادة تموضع اضطرارية تفرضها توازنات معقدة تتجاوز إرادة الفاعلين أنفسهم. فالتراجع، في هذا السياق، ليس نهاية الصراع، بل أحد تجلياته المرحلية في نظام دولي يتجه نحو مزيد من التشابك وعدم اليقين. ومن ثم، فإن الحكم النهائي سيظل رهيناً بمآلات التفاعلات القادمة، وقدرة الأطراف على تحويل التهدئة الهشة إلى مسار سياسي مستدام، أو عجزها عن ذلك بما يعيد إنتاج دوامات التصعيد من جديد.