أعادت القاهرة اليوم تأكيدها على الموقف الرافض لأي ترتيبات إقليمية تُصاغ بعيدًا عن الدول العربية، واضعة بذلك شرطًا واضحًا على طاولة التفاوض .. لا حلول مستدامة دون حضور عربي فاعل .
فهل يفرض الصوت العربي حضوره ؟ هل يكفي إشراك العرب في مفاوضات الإقليم ؟ هل يمتلك العرب مشروعًا موحدًا في طاولات التفاوض ؟
على ما يبدو أن تصعيد مصر دبلوماسي محسوب، يأتي في ظل حديث متزايد عن محادثات تُجرى بوساطة باكستان بين الولايات المتحدة وإيران، وهي محادثات ترى فيها مصر اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية القوى الدولية في تبني مقاربات شاملة تراعي توازنات المنطقة، لا أن تُفرض عليها من خارجها .
فاستبعاد الدول العربية، وفق الرؤية المصرية، لا يهدد فقط عدالة التمثيل، بل قد يقوّض فرص نجاح أي تفاهمات محتملة .
غير أن جوهر الإشكالية يتجاوز مسألة الحضور من عدمه، فالمعضلة الأعمق تكمن في طبيعة هذا الحضور .. هل هو حضور شكلي يقتصر على شغل المقاعد، أم حضور فعلي يمتلك القدرة على التأثير وصياغة المسارات ؟
تطرح هذه التساؤلات واقعًا عربيًا أكثر تعقيدًا، عنوانه الأبرز غياب الصوت الموحد .
فالدول العربية، رغم كونها الأكثر تأثرًا بتداعيات الأزمات الإقليمية، لا تزال تتحرك في كثير من الأحيان ضمن رؤى متباينة، ما يضعف قدرتها على فرض أجندة مشتركة أو الدفاع عن مصالح جماعية .
ومن هنا، تبدو الدعوات إلى إشراك دول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان والأردن ولبنان خطوة ضرورية، لكنها غير كافية بذاتها .
فالمطلوب ليس مجرد توسيع دائرة المشاركين، بل بلورة مشروع عربي متكامل، يحدد الأولويات، ويرسم حدود المصالح، ويقدم تصورًا واضحًا لشكل العلاقات الإقليمية في مرحلة ما بعد الأزمات .
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الأطراف حول طاولة التفاوض، بل في القدرة على تحويل هذا الحضور إلى قوة تفاوضية مؤثرة .
فالعالم اليوم لا يعترف إلا بمن يملك رؤية واضحة، وأدوات تنفيذ، واستعدادًا للدفاع عن مصالحه ضمن توازنات معقدة تحكمها البراغماتية لا الشعارات .
في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر دقة .. ليس هل يجب إشراك العرب، بل كيف يمكن لهذا الإشراك أن يتحول إلى نفوذ حقيقي ؟ الإجابة تبدأ من الداخل، من إعادة صياغة موقف عربي موحد، قادر على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صناعة القرار .
فبدون مشروع استراتيجي عربي جامع، سيبقى الحضور العربي، مهما اتسع، عرضة للتهميش في عالم لا ينتظر المترددين، ولا يمنح وزنًا لمن لا يفرض نفسه على معادلاته .