يعد اليمن في الوعي الجيوسياسي العربي نقطة تماس بين الجغرافيا والتاريخ إذ تتكثف في حدوده فلسفة العمق الحضاري للجزيرة العربية وتتشابك فوق أرضه مسارات القوة التي تعيد رسم المجال الإقليمي في كل مرحلة من مراحل التحول الإقليمي.
إن اليمن يشكل بنية حضارية فريدة ومتميزة ز ممتدة تضرب جذورها في تاريخ التجارة والهجرة والثقافة والعلوم والفنون والمعتقدات وتطل في الوقت نفسه على أحد اهم مفاتيح الحركة العالمية عبر باب المندب الذي يربط بين عالمين ويجعل من الجغرافيا اليمنية وسيطا بين البحر الأحمر والمحيط الهندي وبين الخليج وشرق افريقيا.
هذه الوضعية المركبة تجعل اليمن مجالا تتحول فيه الحدود من خطوط فاصلة إلى مناطق تفاعل متعددة المستويات والمجالات و لا يمكن التعامل معه إلا من خلال خصوصياته الفريدة وهنا يأتي دور السياسي المحنك الذي يرسم الفكر في الواقع ولا ينحصر في الخطاب هروبا من الواقع .
إن الدولة اليمنية لم تكن مغلقة ولم تستطع حكومة الأئمة المتأخرين أن يغلقوها ولهذا وبعد الثورة تحولت من كيان مغلق إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها ارادات متعددة وهذا الطبيعي في اليمن التي تتميز بالتعدد والحوار الفكري وهو الفقه النبوي الذي كان في وصية معاذ الصحابي الفقيه المعروف أحد نماذج اليمن المعروفة وهذا الانفتاح هو في حد ذاته بنية فكرية شكلت النفسية اليمنية التي تعددت فيها حضارات دينية سماوية منذ الحنفية مرورا باليهودية والمسيحية والمجوسية والصابئية وحتى الإسلام وهذا التنوع جعل اليمن متنوعا في لهجاته وثقافاته وحتى معتقداته وهذا التعدد جعل من اليمن موطنا معاصرا لأيدلوجيات عابرة للحدود إلا أن هذه الايدلوجيات فرضت بالعنف والسلطة وهو ما أدى إلى تحول اليمن من الانفتاح الحضاري إلى العنف الدفاعي بنفس الوسائل التي استخدمت ضده تشكلت فيه ادواته للدفاع.
إن معرفة هذا السياقات والتحولات والتغيرات من فقه السياسي المحنك وهو فقه لم يعد مناسبا في ظل تحجر هذه النخب السياسية التي أصبحت رهينة لمصالحها وهو ما أدى إلى توسيع الفجوة والشقاق بين مجتمعات اليمن والجزيرة العربية .
وعندما ننظر إلى اليمن في سياق الجزيرة العربية نكتشف انه يمثل عمقا بشريا وثقافيا لا يمكن فصله عن البنية الكلية للمنطقة حيث كانت حضارة كندة الحضرمية وثقافتها الشعرية المعروفة قي هضبة نجد وفي جزيرة العرب قبائل يمنية عميقة عريقة كما يوجد في اليمن قبائل عربية مضرية وهذا من أهم مقومات تأسيس البنية الحضارية كون قحطان وعدنان من العرب الإسماعيلية بينما ترتبط أنساب قبائل عربية أخرى كالغساسنة وحمير وسبأ عصبة بهاتين القبيلتين ومن هنا جاء التقسيم بين عرب عاربة لم تخرج من اوطانها وعرب مستعربة خرجت ثم عادت إلى أوطانها وهذا منهجي الحديث في دراسة علم الإنساب كمفهوم قيمي إنساني سياسي وحضاري وقيمي واجتماعي وتاريخي لا كمفهوم إثني عرقي انعزالي.
فالقبائل الممتدة والروابط الاجتماعية العابرة للحدود تعيد انتاج المجال العربي بوصفه شبكة متصلة عابرة للحدود القومية التي صنعها القوميون كخطوط للتنافس على الحدود والهيمنة وللفصل الجهوي بدلا من القبلي وليس لاعادة اللحمة المجتمعية ولهذا تعاملت الجامعة العربية بهذا الفكر الانفصالي لتثبيت فلسفة الاستعمار في ابقاء المنطقة موزعة بين
دول متجاورة.
ومن هنا يصبح اضطراب اليمن خللا في التوازن الداخلي للجزيرة وليس حدثا معزولا داخل حدود سياسية تحكمها نزعات قومية أكثر انحطاطا إنسانيا من ثقافة صانعيها ولذلك فإني أرى كل قومية وإن كانت إسلامية تعاني خللا نفسيا وقيميا وإنسانيا .
إن التوتر داخل اليمن ينتقل عبر الحدود والهجرة وهي من مؤشرات اختلال البنية الاقتصادية كما نشوء الجماعات المسلحة من المؤشرات الدالة على فراغ السلطة وهذا لا شك انه سيتجاوز الدولة ليصيب المجال الإقليمي بكامله.
وفي هذا السياق يبدو اليمن وكأنه مرآة تعكس مدى هشاشة النظام الإقليمي وفشله في استيعاب التنوع ضمن مصالح متكاملة لا متنافسة .
ان موقع اليمن على باب المندب يمنحه قيمة تتجاوز قدرته المادية فهو قيمة حضارية ثقافية قيمية عابرة للحدود وعندما انغلقت اليمن تردت الثقافة النقية وقوتها الناعمة التي غزت العالم عندما كانت ثقافتنا اليمنية قابلة للتصدير وإن تعرضت مع صراع الأديان داخل اليمن للعنف إلا أن الإسلام استطاع أن يفرغ هذا العنف لحماية أمن جزيرة العرب .
إن الممر البحري ليس قناة لعبور السفن فحسب وإنما هو شريان يربط الاقتصاد العالمي بحركة الطاقة والتجارة.
ومن ثم يصبح التحكم في هذا الموقع او التأثير فيه جزءا من معادلة القوة الدولية.
وهنا يتحول اليمن من فاعل محتمل إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع متباينة كل منها يسعى إلى اعادة تعريف الأمن من زاويته الخاصة فتتعدد الفواعل وتتراجع الدولة ويتحول الداخل إلى بنية مفتوحة تستقبل التأثير الخارجي وتعيد انتاجه في شكل صراعات محلية.
هذه الحالة تخلق دائرة مغلقة حيث يؤدي الضعف الداخلي إلى تدخل خارجي ويؤدي التدخل إلى مزيد من التفكك في البنية الداخلية.
وفي عمق هذا المشهد يظهر اليمن بوصفه نموذجا لدولة تقع بين مركزين للعمق:.
- مركز تاريخي يقوم على التعدد الاجتماعي.
- مركز حديث يسعى إلى فرض نموذج الدولة الموحدة.
وبين هذين المركزين تتولد ازمة مستمرة حيث تتعايش البنى التقليدية مع مؤسسات حديثة لم تكتمل بعد.
هذا التعايش لا يخلق بالضرورة صراعا دائما لكنه يصبح كذلك عندما ينفذ العامل الخارجي وما أكثر ما تعرضت له اليمن من تدخلات خارجية هجنت ثقافته الأصولية بثقافات دخيلة ودون اعتبار هذا التأثير الثقافي لن نتمكن من استعادة ثقافتنا اليمنية الأصولية والتي جاء الإسلام في الأصل ليجددها ولذلك تلاقت ثقافة اليمن الأصولية التاريخية مع الإسلام المحمدي فدخل فيه أفواجا ونصرا وإيثارا وكانت أسبق من مضر في إسلامها جماعات وإن سبقتها قريش في أسلامها فرادى لأسباب القرب والمعايشة .
إن العامل الخارجي منذ عصر الدويلات إلى اليوم يعيد توظيف التعدد الداخلي في سياق التنافس الإقليمي والعقدي وهو ما جعل من اليمن مادة للعنف المتناقض بعد أن كانت حضارة التعدد المتكامل .
وهكذا يتحول اليمن إلى فضاء تتداخل فيه مستويات متعددة من الصراعات؛ صراع على السلطة وصراع على الهوية وصراع على الموقع الاستراتيجي.
ومن هنا يمكن القول ان أمن الجزيرة العربية لا يمكن فصله عن استقرار اليمن لأن الجغرافيا لا تعرف العزلة بسبب هذا التداخل الاجتماعي انسابا وأصهارا وعصبة وأرحاما ولا شك أن مجتمعات ودول الخليج أقرب إلى اليمن من غيرها من دول العالم الاسلامي وإن كان لليمن دورا في تهجين تلك المجتمعات البعيدة ولا يمكن أن بحل الهجين بديلا عن الأصل وقد بينت النبوة أنه لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أمر اولها في إشارة إلى صلاح الاسلام بالعودة إلى أصوله وصلاح العرب بالرجوع إلى أصلها ولهذا جعلت النبوة من اليمن نفسا ونفحا للرحمن وفرجا للأمة وحصنا لها .. لأن من ثقافة هذه الأمة أن تقل عند الطمع ومن طمع فليس منها .
إن كل محاولة لعزل اليمن عن محيطه تؤدي إلى نتيجة عكسية حيث يتحول الفراغ إلى مصدر تهديد مستمر وقد بينا ءاك في عام ٢٠٠٩ في مركز الدراسات الاستراتيحية للقوات المسلحة في صنعاء وقدمنا مشروعا لبرامج تحتوي الأزمة الى مكاتب رئاسة الجمهورية وحتى بعض مراكز الاسلام السياسي .
وفي المقابل فإن دمج اليمن في بنية اقليمية متماسكة سيعمل على تحويل موقعه من نقطة توتر إلى جسر تواصل أمني وثقافي وإنساني لأن اليمن بلد الإنسانية الأولى قبل أن تتحول إنسانيته إلى معتقدات دولة المدينة في اليونان وتجددها أوروبا المتقدمة إلا أن إنسانية اليمني عابرة للحدود وإنسانيو اوروبا ضمن حدود سياستها.
وفي هذا التحول تكمن دلالة الدور اليمني الممكن اذ يمكن لليمن ان يتحول من ساحة تنافس إلى مساحة توازن ومن هامش مضطرب إلى عمق استراتيجي يعيد للجزيرة العربية تماسكها.
هذه الرؤية لا تنطلق من تصور جغرافي صرف وإنما من فهم حضاري يرى ان الاستقرار ليس نتاج القوة وحدها وإنما هز نتاج قدرة المجال على استيعاب تنوعه وتحويله إلى مصدر ثراء بدل من ان يكون مدخلا للصراع وهذا ما تمارسه المكونات اليمنية وحكومتها بعيدا عن وعيين:
- وعي حضاري .
- وعي واقعي
إن القبيلة في اليمن ليست بقايا من ماض بعيد وليست كباية القبائل في العراق والشام ومصر وإنما هي نظام اجتماعي فاعل يعيد تنظيم المجال ويمنح الافراد أدوارا بمعايير عرفية قبل أن يسقطها التنافس على السلطة إن الانتماء في القبيلة يتجاوز حدود الدولة الحديثة.
وفي هذا الإطار تتحول القبيلة إلى بنية وسيطة بين الفرد والسلطة وبين المحلي والإقليمي بحيث يصبح فهم اليمن مستحيلا دون قراءة هذه الوشائج التي تربط القبائل ببعضها وتربطها في الوقت نفسه بامتداداتها داخل الجزيرة العربية.
هذه الوشائج لا تقوم فقط على النسب وإنما أيضا على منظومة من القيم التي تشكل الوعي الجمعي مثل الحماية والتكافل والوساطة وحل النزاعات.
ومن خلال هذه القيم تنتج القبيلة نوعا من النظام الاجتماعي الذي يعمل في كثير من الاحيان بالتوازي مع مؤسسات الدولة.
وهنا يظهر النموذج اليمني بوصفه حالة يتعايش فيها النظام القبلي مع فكرة الدولة دون أن يذوب أحدهما في الآخر.
فالقبيلة تمنح الاستقرار في المناطق التي تغيب فيها السلطة المركزية بينما تحاول الدولة احتواء هذا الامتداد ضمن إطار قانوني حديث.
وبين هذين المستويين تتشكل بنية مركبة تجعل اليمن نموذجا فريدا في فهم العلاقة بين التقليدي والحديث.
وعندما ننظر إلى القبيلة اليمنية في بعدها العربي نجد انها ليست معزولة داخل حدود اليمن بل ممتدة في عمق الجزيرة العربية. فالتداخل بين القبائل عبر الحدود يعيد انتاج المجال العربي بوصفه فضاء اجتماعيا واحدا يتجاوز التقسيمات السياسية وباحياء دول القبيلة اليمنية العابرة للحدود تتجد قيم القبيلة في الجغرافيات الهجينة في كل من مصر والصومال والشام والعراق وحتى قبائلها في تركيا وفارس .
ومن هنا تتحول القبيلة إلى جسر ثقافي يربط اليمن بمحيطه ويمنحه حضورا يتجاوز قدراته السياسية والاقتصادية.
فالعلاقات القبلية العابرة للحدود تخلق نوعا من الترابط الاجتماعي الذي يسهم في تشكيل التوازنات الإقليمية حتى في غياب مؤسسات رسمية مشتركة.
غير ان هذه البنية تحمل في داخلها مفارقة اساسية.
إن القبيلة التي تمنح التماسك يمكن أن تتحول إلى مصدر انقسام عندما تدخل في صراعات سياسية او عندما يجري توظيفها ضمن مشاريع متنافسة.
وهنا يظهر التحدي في النموذج اليمني حيث تتحول الوشائج القبلية إلى مجال للتأثير الخارجي الذي يسعى إلى اعادة تشكيل التوازنات الداخلية.
وفي هذه الحالة تصبح القبيلة ساحة للصراع بدلا من ان تكون اداة للوساطة.
ومع ذلك تبقى القبيلة اليمنية قادرة على اعادة انتاج دورها التقليدي في التهدئة وحل النزاعات عندما تتوفر شروط الاستقرار.
إن قراءة اليمن من زاوية القبيلة العربية تكشف عن عمق حضاري يتجاوز الصور النمطية التي تربط القبيلة بالتخلف وهذا ما يسعى لسرده بعض شذاذ التاريخ دون أن يعرف معمار القبيلة اليمنية ولم يدرك أن تخلف اليمن في الأصل أيدلوجيا وسياسيا.
إن القبيلة في اليمن ليست مجرد رابطة دم وإنما هي منظومة قيم وتنظيم اجتماعي قادر على التكيف مع التحولات.
ومن خلال هذا التكيف يستمر اليمن في تقديم نموذج مركب يجمع بين الاستمرارية والتغير حيث تتعايش البنى التقليدية مع متطلبات الدولة الحديثة.
وفي هذا التعايش تكمن دلالة التجربة اليمنية بوصفها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين القبيلة والدولة بحيث تتحول الوشائج القبلية من عامل انقسام محتمل إلى عنصر تماسك يربط اليمن بعمقه العربي ويمنحه قدرة على الصمود داخل بيئة إقليمية مضطربة.
وحين يجري الحديث عن إعادة بناء النموذج القبلي اجتماعيا فإن المقصود ليس في استعادة شكل تقليدي منغلق وإنما تحرير البنية القبلية من الاستخدام السياسي الذي حولها إلى أداة صراع.
إن القبيلة في أصلها بنية تضامن اجتماعي تنتج منظومة من القيم مثل التكافل والحماية والوساطة وضبط النزاعات.
غير ان دخولها في المجال السياسي المعاصر جعلها تتحول من إطار اجتماعي جامع إلى اصطفاف متحرك داخل توازنات السلطة ومن هنا تبدو إعادة إعمار البنية القبلية محاولة لإعادتها إلى وظيفتها الأولى بوصفها شبكة اجتماعية لا جهازا سياسيا.
وفي هذا السياق تظهر القبيلة بوصفها نظاما اهليا يقوم على التوافق أكثر مما يقوم على الإلزام لأن سلطتها ليست سلطة قانون مكتوب وإنما هي سلطة عرف متراكم يمنحها قدرة على حل النزاعات خارج مؤسسات الدولة دون ان ينافسها مباشرة.
وعندما تتحرر القبيلة من التسييس تستعيد قدرتها على لعب دور الوسيط الاجتماعي الذي يخفف من حدة التوتر ويعيد إنتاج الثقة داخل المجتمع وهنا يتحول النموذج القبلي إلى مساحة توازن بين الفرد والجماعة بدل من أن يكون امتدادا لصراع سياسي متغير.
إن إعادة إعمار البنية القبلية تعني كذلك إعادة الاعتبار للقيم التي قامت عليها مثل التضامن والنجدة والالتزام الجماعي و هذه القيم كانت تمثل في سياقها التاريخي آلية لحماية المجتمع في ظل غياب الدولة المركزية.
غير ان توظيفها سياسيا ادى إلى تفكيكها وتحويلها إلى أدوات تعبئة تقودها السلطة الفاسدة.
ولذلك فإن فصل القبيلة عن السياسة المعاصرة يفتح المجال لإعادة تعريفها بوصفها مؤسسة اجتماعية تولد الاستقرار المحلي وتدعم السلم الأهلي وبدلا من أن تكون القبيلة قناة للتنافس تصبح آلية منهجية لحل النزاعات وامتصاص التوترات وأنا أقول ذلك عن تجربة خضتها في دمج القيم الشرعية مع القيم العرفية بين بعض قبائل صنعاء الشامخة.
كما ان إعادة البناء الاجتماعي للقبيلة يقتضي الفصل بين المجالين العام والاهلي فالدولة الحديثة تقوم على المواطنة والقانون بينما تقوم القبيلة على القرابة والعرف والأخلاق وعندما يختلط المجالان يتولد صراع في الشرعية حيث تحاول القبيلة ان تمارس دورا سياسيا يتجاوز وظيفتها الاجتماعية.
اما عندما يجري الفصل بينهما فإن القبيلة تتحول إلى داعم اجتماعي للدولة لا بديل عنها.وفي هذه الحالة تصبح البنية القبلية جزءا من النسيج الأهلي الذي يعزز الاستقرار دون ان ينافس المؤسسات الرسمية.
هذا التصور لا يلغي حضور القبيلة في الواقع بل يعيد توجيهه ، فالقبيلة لا تختفي مع الحداثة وإنما تعيد تشكيل نفسها في صورة جديدة تتلاءم مع التحولات الاجتماعية.
وعندما يجري إعادة إعمارها على اساس اجتماعي تصبح قادرة على توفير شبكات تضامن في مجالات التعليم والعمل والمصالحة المجتمعية.
وهكذا تتحول من بنية مغلقة إلى إطار اجتماعي مفتوح يستوعب التنوع ويعيد انتاج التماسك وفي هذا السياق يبدو لي أن إعادة إعمار البنية القبلية عملية ثقافية بقدر ما هي اجتماعية كونها تعيد تعريف القبيلة بوصفها وعيا جماعيا ولست فقط رابطة نسب.
ومن خلال هذا الوعي يمكن للقبيلة ان تستعيد دورها في بناء المجتمع من الداخل دون أن تنخرط في صراعات السياسة وعند هذه النقطة تتحول القبيلة إلى رصيد اجتماعي يعزز الاستقرار ويعيد التوازن بين الدولة والمجتمع ويمنح النموذج الأهلي قدرة على الاستمرار داخل واقع معاصر سريع التحول.
ولتفعيل دور القبيلة العابرة للحدود السياسية دون تحويلها إلى أداة صراع ينبغي التعامل معها بوصفها شبكة اجتماعية ثقافية تمتد في المجال العربي أكثر من كونها بنية سياسية تنافس الدولة.
فالقبيلة العابرة للحدود تحمل في داخلها قدرة على ربط مجتمعات متجاورة بروابط القرابة والذاكرة المشتركة والعرف المتقارب وهذه القدرة يمكن توجيهها نحو بناء الاستقرار الأهلي وتعزيز التواصل الاجتماعي بدلا من استثمارها في اصطفافات سياسية.
ومن هنا يبدأ التفعيل بإعادة تعريف وظيفة القبيلة باعتبارها جسرا اجتماعيا لا قناة نفوذ سياسية حزبية .
وتتمثل الخطوة الأولى في إعادة إحياء الوظيفة الوسيطة للقبيلة عبر الحدود بحيث تصبح اداة للمصالحة المجتمعية وحل النزاعات المحلية لأن القبائل الممتدة تمتلك شرعية اجتماعية في أكثر من فضاء جغرافي وهذا يمنحها قدرة على التهدئة عندما تتوتر العلاقات بين المجتمعات المتجاورة.
وعندما يجري تفعيل هذا الدور يتحول الامتداد القبلي إلى آلية غير رسمية لدعم الاستقرار في المناطق الحدودية التي غالبا ما تعاني من ضعف المؤسسات.
وتقوم الخطوة الثانية على توجيه الروابط القبلية نحو التعاون الاجتماعي والاقتصادي حيث أن القبيلة العابرة للحدود تستطيع ان تنشئ شبكات تضامن في مجالات التعليم والعمل والتنقل التجاري التقليدي.
و هذه الشبكات تعزز الاعتماد المتبادل بين المجتمعات المتجاورة وتحد من النزاعات الناتجة عن التنافس الاقتصادي وهنا يصبح الامتداد القبلي قناة للتكامل الاجتماعي وليس ن مسارا للتوتر.
وتتعلق الخطوة الثالثة بإعادة الاعتبار للأعراف القبلية المشتركة التي تنظم العلاقات بين الجماعات كون العرف القبلي يمتلك مرونة تسمح له بالعمل عبر الحدود دون الاصطدام بالقوانين الرسمية. وعندما يجري توظيف هذا العرف في تنظيم التنقل والتعاون الاجتماعي فإنه يخلق مساحة تفاعل تحافظ على الاستقرار دون ان تتعارض مع سيادة الدولة.
وبهذا الطرح يصبح العرف اداة توازن بين المحلي والرسمي.
وتوجه الخطوة الرابعة نحو
بناء مجال ثقافي مشترك يعيد إنتاج الذاكرة القبلية العابرة للحدود عبر اللقاءات الاجتماعية والفعاليات الثقافية وروابط النسب المشتركة كلها تسهم في تعزيز الشعور بوحدة المجال الاجتماعي.
إن هذا الشعور يخفف من أثر الحدود السياسية ويحولها من خطوط فاصلة إلى مناطق تواصل وعندما يتعزز هذا البعد الثقافي تتراجع قابلية القبيلة للتوظيف السياسي وتزداد قدرتها على لعب دور اجتماعي جامع.
وتقوم الخطوة الخامسة على فصل الامتداد القبلي عن الصراعات السياسية المعاصرة لأن فالقبيلة العابرة للحدود تفقد قدرتها التوازنية عندما تنخرط في تنافس السلطة.
اما عندما تحافظ على حيادها الاجتماعي فإنها تصبح مساحة مشتركة يمكن للجميع الاحتكام اليها و هذا الحياد هو الشرط الاساسي لتحويل القبيلة إلى قوة استقرار .
بهذه الآليات يمكن للقبيلة العابرة للحدود ان تتحول إلى بنية اجتماعية داعمة للاستقرار الإقليمي وهي ذلك لا تلغي الدولة ولا تنافسها وإنما تعمل في المجال الأهلي الذي يربط المجتمعات ببعضها وعند هذا المستوى يصبح الامتداد القبلي شكلا من اشكال العمق الاجتماعي الذي يتجاوز الحدود السياسية ويعيد بناء التماسك داخل فضاء عربي واحد دون الدخول في معادلات الصراع.