آخر تحديث :السبت-11 أبريل 2026-01:29م

في الجنوب: مأزق بلا أفق!

السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 11:09 ص
عبدالناصر صالح ثابت

بقلم: عبدالناصر صالح ثابت
- ارشيف الكاتب


منذ مطلع عام 2026، دخل الجنوب مرحلة معقدة، تجاوزت فيها الوقائع حدود التفسيرات التي حكمت

المشهد منذ 2015. لم تعد المعادلات القديمة قادرة على قراءة ما يجري أو تقديم حلول له. تسارعت

الأحداث بوتيرة لافتة، حتى بدا المشهد خارج التوقع، حيث يحمل كل يوم تطورًا يفوق أكثر السيناريوهات

تشاؤمًا.

ظل شعار “المشروع العربي” حاضرًا في خطاب الجنوبيين، مستندًا إلى قناعة بمتانة هذا التحالف الذي نشأ

لمواجهة الحوثيين في شمال اليمن. غير أن التطورات الأخيرة أعادت طرح تساؤلات حول طبيعة هذه

التحالفات وحدود ثباتها؛ إذ أظهرت التجربة أنها تظل محكومة بحسابات المصالح وتبدّل الأولويات.

في أواخر أكتوبر 2025، نُشر مقالٌ لي في هذه الصحيفة تحت عنوان: «ماذا لو فُرض على الجنوبيين ما

لا يطمحون إليه؟». طُرحت فيه فرضيات بدت حينها أقرب إلى قراءة استباقية محتملة. اليوم، تبدو تلك

الفرضيات وكأنها تحققت على أرض الواقع، حيث يواجه الجنوبيون مشهدًا معقدًا تتداخل فيه خطوط

المواجهة مع خطوط الضغط.

من جهة، تستمر الجبهات في الاشتعال ضد الحوثيين، وتتواصل التضحيات في ميادين القتال، ومن جهة

أخرى، يتشكل ضغط سياسي وإداري موازٍ في العمق داخل مدن كانت تُدار لسنوات باعتبارها جزءًا من

منجزات الجنوب ومكتسباته.

هذا التداخل يضع الجنوب في حالة دقيقة وحساسة. فالمواجهة مع خصم واضح تتطلب تماسكًا داخليًا ورؤية

موحدة، غير أن ما يحدث في الخلف يفرض واقعًا مغايرًا، يفتح الباب أمام حالة من الإرباك، وربما

الإحباط، لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين. وهو ما يعيد طرح السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن الاستمرار

في إدارة هذا التوازن الهش دون أن يبلغ نقطة الانفجار أو الانهيار؟

إن فرض خيارات لا تحظى بقبول واسع، حتى وإن قُدمت تحت عناوين براقة مثل “الحوار

الجنوبي–الجنوبي” أو “القضية الجنوبية كقضية تاريخية وسياسية”، يحمل في طياته مخاطر جدية.

فالتجارب تشير إلى أن المجتمعات التي تشعر بأن مكتسباتها مهددة، أو أنها تُدفع قسرًا إلى الوراء، تميل إلى

ردود فعل حادة قد تتجاوز حسابات العقل والسياسة. وفي الحالة الجنوبية، تتضاعف هذه المخاطر في ظل

حساسية المرحلة وتشابك الأحداث.

اليوم، يقف الجنوب أمام مفترق طرق صعب: متربصون في الشمال يفرضون معادلة صراع مفتوح، وواقع

مفروض في الداخل يوحي بانزلاق نحو صراعات جانبية قد تستنزف ما تبقى من التماسك.

في مثل هذه اللحظة، يتجاوز الخطر حدود المواجهة العسكرية ليطال الاستقرار الداخلي. فتصاعد القلق على

المصير والتضحيات قد يدفع نحو ردود فعل غير محسوبة، خصوصًا مع شعور متزايد بأن العودة إلى

الماضي لم تعد خيارًا. لقد دخل الجنوب مأزقًا بلا أفق، في مرحلة تتطلب وعيًا وحكمة بحجم التحديات.