آخر تحديث :السبت-11 أبريل 2026-01:29م

علي المعمري: شهادة للتاريخ أم تزييف للذاكرة؟

السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 11:11 ص
عبدالإله الحود

بقلم: عبدالإله الحود
- ارشيف الكاتب


حين يقرر مسؤول سابق بحجم محافظ تعز الأسبق، علي المعمري، أن يطل عبر منصات "البودكاست" ليقدم ما أسماها شهادة للتاريخ، فإن التوقعات تتجه نحو سردية تتسم بالنزاهة والمكاشفة، خاصة وأن الرجل كان في قلب الإعصار. لكن ما حدث في تلك المقابلة لم يكن تنويراً للرأي العام بقدر ما كان محاولة فجة لترميم الذاكرة وتزييف حقائق لا تزال دماء ضحاياها رطبة على أرصفة تعز.


إن القفزة الأولى التي سقط فيها المعمري هي "سياسة التغييب المتعمد"؛ ففي حديثه الطويل عن حصار تعز وبدايات المقاومة الشعبية، أصرّ على حصر العدو في "الحوثي" فقط، ممارساً انتقائية غريبة تجاه قوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح. إن محاولة تصوير الحرب في تعز على أنها كانت في مواجهة الحوثي فقط هي طعنة في خاصرة الحقيقة؛ فالجميع يعلم، والمعمري أولهم، أن الألوية التي قتلت أبناء تعز ودمرت مستشفياتها كانت تتبع الحرس الجمهوري والقوات الموالية لصالح، في تحالف انقلابي لم يخفِ نفسه يوماً.


هذا القفز فوق "نصف الحقيقة" لا يمكن تصنيفه كخطأ غير مقصود، بل هو تزييف ممنهج يهدف إلى غسل سمعة طرف كان شريكاً أصيلاً في سفك دم المحافظة التي كان المعمري مسؤولاً عنها. إن أي شهادة تاريخية تغفل ذكر "تحالف الحوثي وصالح" في تلك الحقبة هي شهادة مجروحة وفاقدة للمصداقية، والمعيب أن يتحول السياسي من مؤرخ للأحداث إلى "ملمع" لها، يحاول إعادة صياغة الماضي ليخدم تقلبات الحاضر وتحالفاته.


لقد خسر المعمري في هذه المقابلة فرصة أن يكون شاهداً صادقاً، واختار بدلاً من ذلك أن يكون مهندساً لرواية منقوصة مليئة بالثغرات؛ إذ طغت "النرجسية السياسية" على حديثه من خلال تمجيد الذات وتضخيم أدوار حزبية وشخصيات بعينها، مقابل محاولات بائسة للتقليل من شأن قيادات بارزة كان لها الثقل الأكبر في الميدان حينها. لقد سعى المعمري، وبشكل مكشوف، إلى تعظيم ولاءات معينة وإرسال رسائل سياسية "مفصلة" على مقاس الوضع الحالي، لا على وقائع الموقف آنذاك. فالتاريخ لا يكتبه من يخشون ذكر الحقائق كاملة أو من يسخرون منصاتهم لتصفية حسابات القيادة، بل يكتبه من واجهوا الرصاص والقذائف التي كانت تحمل بصمات الطرفين اللذين حاول المعمري، وبكل استخفاف، دمج أحدهما في الآخر أو محوه من سجل الجريمة.