آخر تحديث :السبت-11 أبريل 2026-01:29م

رباعيةُ التعطيل… حين تُدار الأمم كأنها مشروعُ تأجيلٍ دائم ،،،

السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 11:14 ص
د. سعيد سالم الحرباجي

بقلم: د. سعيد سالم الحرباجي
- ارشيف الكاتب


"ليس الخطر أن تعجز عن النهوض.... بل الأخطر من ذلك أن تتقن فنّ تعطيله، وتُحيله إلى نظامٍ مُحكمٍ من العادات السياسية، يُمارَس بثقة، ويُبرَّر بحكمة، ويُسوَّق بوصفه “واقعيةً” لا تقبل الجدل."

هناك لا يعود التخلّف حدثًا عابرًا، بل يصبح خيارًا مستقرًا، له حرّاسه وخطابُه وأدواتُه.

ومن أبرز تلك الأدوات المعيقة لعملية النهوض:

أولًا: عقلٌ يرفض التغيير:

ذلك العقل لا يرفض عملية التغيير "صراحةً"،

لكنه يلتفّ حولها بعباراتٍ مطّاطة:

“ليس الآن”، “الظروف لا تسمح”، “الأولوية للاستقرار”، وغيرها من تلك العبارات التي ترفض عملية التغيير.

وهكذا...

تُؤجَّل الإصلاحات حتى تُصاب بالشيخوخة قبل أن تولد.

هذا العقل لا يُنكر الزمن، بل يُحسن تعطيله.... يُبطئه حتى ييأس، ويُقنع الناس أن البطء حكمة، وأن الركود توازن، وأن الخوف من الجديد هو عينُ التعقّل.

إنه عقلٌ يضع المستقبل في غرفة الانتظار، ثم يُغلق الباب من الخارج.

وهذه الحيلة تُستخدم اليوم بعناية فائقة لتخدير الشعوب الجاهلة !!!

ثانيًا: نخبةٌ تُجيد السباحة في كل اتجاه.

نخبةٌ لا تُخطئ البوصلة، لأنها ببساطة لا تؤمن بها.

تتحرك وفق تيار المصلحة، فإن مالَ مالت، وإن انحرفَ انحرفت، ثم تُقسم—بضميرٍ مطمئن—أنها كانت دائمًا في الاتجاه الصحيح.

هي نخبةٌ تُتقن لغة الشعارات، وتُبدع في استهلاكها، لكنها تُصاب بالصمت المهني حين يُطلب منها دفع كلفتها.

تُحدّثك عن الوطن بوصفه فكرةً سامية... ولكنها تتعامل معه بوصفه فرصةً استثمارية.

فإذا ما اشتدّ الخطب، قدّمت لك بيانًا بليغًا عن “ضرورة المرحلة”، ثم انسحبت بهدوءٍ إلى حيث لا تصل تبعاتها.

أولئك هم المتملّقون، حاملو المباخر، بائعو الضمائر، خائنو الأوطان ، أعلاميو الصرفة..

وهم أتفه شريحة من شرائح المجتمع!!!

ثالثًا: صمتٌ يتكلّم.

هذا الصمت ليس صمتًا بريئًا (بل صمتٌ مدروس)، يُمارَس كسياسةٍ عامة...

صمتٌ يرى ولا يُعلّق، يسمع ولا يشهد، يمرّ على الخلل كما يمرّ الغريب على حريقٍ في حيٍّ لا يسكنه.

ومع الوقت يتحوّل هذا الصمت إلى لغةٍ جامعة، يتقنها الجميع، ويصبح ثقافة يمارسها الكل ...

على غِرار أنا رب الإبل ، والبيت له رب يحميه .

فينكفأ الناس على مصالحهم ولا يتحدثون

على الصالح العام ، ولا ينكرون الفساد .

وهكذا...

لا يُقمع الباطل فقط، بل يُحمى بالصمت، ويُمنح الوقت الكافي لينمو ويترسّخ، حتى يصبح الاعتراض عليه ضربًا من ( سوء الأدب.) !!!

رابعًا: عدالةٌ عرجاء ذات نظرٍ انتقائي.

هذه العدالة تُمارس دقّةً جراحية حين يتعلق الأمر بالضعفاء، وتُصاب بعمى مؤقت حين تقترب من الأقوياء.

تُسرع في إصدار الأحكام على من لا يملكون دفاعًا، وتُبطئ الخطى—بوقارٍ لافت—حينما يكون الخصم ذا شأن.

إنها عدالةٌ تُشبه ميزانًا مختلّ الكفّتين: لا يحتاج إلى ضغطٍ كبير ليميل، بل إلى اسمٍ كبير.

وهكذ يُصبح القانون نصًا مرنًا، يتشكّل بحسب موقع من يُطبَّق عليه، لا بحسب ما ينصّ عليه.

هذه الرباعية لا تُعلن نفسها صراحةً...

بل تتخفّى في هيئة “حكمة الدولة” و“ضرورات المرحلة”، وغيرها من المبررات - القبيحة - التي تتيح لممسكي زمام الأمور أن يُرسّخوا

أقدامهم، ويُعمّقوا جذورهم في الأرض

حتى يصعب اقتلاعهم.

إنها تُدير الزمن على طريقة “إعادة التشغيل” المستمرة:

كلما لاح في الأفق أملُ تغيير، أُعيد كل شيء إلى نقطة الصفر، مع بعض التحسينات الشكلية التي تُقنع المتفائلين بأن شيئًا ما يحدث.

والطريف—بمرارةٍ لا تخلو من دقّة—أن هذه المنظومة لا تحتاج إلى كثير جهدٍ للحفاظ على نفسها .

يكفي أن:

يظلّ العقلُ حذرًا أكثر مما ينبغي، والنخبةُ ذكيةً أكثر مما يجب، والصمتُ أطول مما يُحتمل،

والعدالةُ أضعف مما يُفترض.

وعندها.... تستمرّ الأمة في الدوران حول ذاتها، بثباتٍ يُحسد عليه، كأنها نجحت أخيرًا في حلّ معضلة الحركة… بإلغائها تمامًا.

هذه النظرية ذات الجذور اليهودية تُطبَّق اليوم في اليمن بعناية فائقة