آخر تحديث :السبت-11 أبريل 2026-11:51م

لمـاذا الشـباب؟

السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 08:48 م
د.هاني القاسمي

بقلم: د.هاني القاسمي
- ارشيف الكاتب


ليـس سـؤالًا عابرًا يُطرح في لحظة تأمل، بل هو مفتاح لفهم ما يدور في عمق المجتمعات، وما يُحاك لها من مشاريع البناء أو الهدم؛ فـ الشباب، في كل زمان ومكان، ليسوا مجرد فئة عمرية عابرة، بل هم الكتلة الحيوية التي تمسك بمفاصل المستقبل، وتحمل في داخلها طاقة التغيير، وإرادة الفعل، وقابلية التأثر والتأثير.


حيـن يُستهدف الشباب، فإن الاستهداف لا يكون عبثًا، بل هو استهداف مباشر لعقل الأمة ووجدانها، وللقدرة الكامنة فيها على النهوض؛ فـ الشباب هم الأكثر استعدادًا لتلقي الأفكار، والأسرع اندفاعًا نحو تبني القناعات، سواء كانت بناءة أو هدامة، وهذه الخصيصة، على قدر ما تمنحهم القدرة على الإبداع والتجديد، تجعلهم كذلك عرضة للاحتواء والاستغلال، خاصة في البيئات التي يغيب فيها الوعي، أو تضعف فيها مؤسسات التوجيه والتأهيل.


ومـن زاويـة اجتماعـية، فإن الشباب يمثلون القوة الدافعة لأي مجتمع؛ فهم عماد سوق العمل، ومحرك الاقتصاد، وروح المبادرات المجتمعية؛ وإذا ما أحسن استثمارهم، كانوا سببًا في نهضة شاملة، وإن تُركوا فريسة للإهمال أو التوجيه الخاطئ، تحولوا – لا قدَّر الله – إلى أداة هدم أو عبئًا على مجتمعاتهم.


ولـهذا؛ فـإن استهدافهم عبر بث الأفكار المتطرفة، أو تغذية الصراعات، أو إغراقهم في دوامات العبث والفراغ، هو في حقيقته استهداف لبنية المجتمع ذاته.


أمـا من الناحية القانـونية، فإن فئة الشباب تقف في منطقة حساسة بين المسؤولية والحماية؛ فهم من جهة يُسألون عن أفعالهم، ويخضعون لنصوص التجريم والعقاب، ومن جهة أخرى يحتاجون إلى سياسات وقائية وتشريعات تحميهم من الاستغلال، سواء كان ذلك في الجرائم المنظمة، أو النزاعات المسلحة، أو حتى في الفضاء الرقمي الذي بات ساحة مفتوحة لاستقطاب العقول وتوجيهها.


وهـنا يظهر القصور في كثير من الأنظمة القانونية، التي تركز على العقاب أكثر من تركيزها على الوقاية، وعلى رد الفعل بدلًا من صناعة الحصانة الفكرية والاجتماعية.


وفـي السياق اليمـني، تتضاعف خطورة هذا الاستهداف؛ فـالشباب يعيشون في بيئة مثقلة بالأزمات: اقتصادية، وتعليمية، وسياسية، وهذه البيئة تُنتج فراغًا قاتلًا، يجعل من الشاب مشروعًا مفتوحًا لأي جهة تمتلك خطابًا مؤثرًا، أو إغراءً ماديًا، أو شعارات براقة.


ومـع غـياب سياسات وطنية شاملة تستوعب هذه الفئة، يصبح الشباب بين خيارين، كلاهما مرٌّ : إما الانسحاب إلى هامش الحياة، أو الانخراط في مسارات قد لا تخدم الوطن بقدر ما تستنزفه.


ولـذلك؛ فـإن الإجابة عن سؤال "لمـاذا الشـباب؟" تقودنا إلى حقيقة واضحة: لأنهم نقطة البداية والنهاية في معادلة البناء والهدم؛ فمن يملك الشباب، يملك المستقبل.


غـير أن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تُقرأ بقلق فقط، بل بمسؤولية أيضًا؛ فحماية الشباب لا تكون بالشعارات، بل بصناعة بيئة حاضنة: تعليم نوعي، وفرص عمل عادلة، ومساحات للتعبير، وتشريعات حديثة تواكب التحديات، خاصة في مجال الجرائم المعلوماتية والاستقطاب الرقمي.


كـما أن تمكينهم من الوعي القانوني، وإدماجهم في الحياة العامة، يعزز قدرتهم على التمييز بين ما يُبنى به الوطن وما يُهدم.


إن الشـباب ليسوا مشكلة يجب احتواؤها، بل فرصة يجب استثمارها، وإذا كان البعض يستهدفهم ليصنع منهم أدوات لمشاريعه الضيقة، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي أن نُحصّنهم بالعلم، ونُشركهم في المسؤولية، ونفتح أمامهم أبواب الأمل.


فـ الاهتـمام بالشباب ليس مجرد واجب مرحلي، بل هو استثمار طويل الأمد في استقرار المجتمع وتماسكه؛ فـ بقدر ما نمنح هذه الفئة عناية وتوجيهًا، وبقدر ما نتيح لها فرصًا عادلة للتعلم والعمل والمشاركة، تتشكل ملامح مستقبل أكثر اتزانًا وقدرة على مواجهة التحديات.


وليـس المقصود حماية الشباب من الأخطار فحسب، بل تمكينهم من أدوات الوعي التي تجعلهم قادرين على حماية أنفسهم، والمساهمة بفاعلية في بناء محيطهم.


فـ الشاب الواعي ليس عبئًا على مجتمعه، بل عنصر توازن فيه، وصوت عقل في لحظات الاضطراب.


ومـن هـنا؛ فـإن مسؤولية الدولة والمجتمع لا تقف عند حدود الرعاية، بل تمتد إلى بناء منظومة متكاملة تُعلي من قيمة الإنسان، وتمنح الشباب شعورًا حقيقيًا بالانتماء والدور، وعندها فقط، يصبح الحديث عن المستقبل حديثًا مطمئنًا، لا قائمًا على التمني، بل على أسس واقعية راسخة.


فـ الشـ باب، في نهاية الأمر، هم امتداد الحاضر نحو الغد، وكل ما نغرسه فيهم اليوم، سنحصده غدًا… وطنًا أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على البقاء.


د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 11. أبريل. 2025م

.