آخر تحديث :الإثنين-13 أبريل 2026-11:26م

حرب إيران والاقتصاد الأميركي... مؤشرات مخادعة

الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 10:53 ص
علاء شاهين صالحة

بقلم: علاء شاهين صالحة
- ارشيف الكاتب


قد يلاحق الأثرُ الاقتصادي لحرب إيرانَ الرئيسَ الأميركي دونالد ترمب وحزبَه الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونغرس، حتى وإن انتهى الصراعُ هذا الشهر؛ ذلك لأنَّ التحليلات التي تؤكد قدرةَ الاقتصاد الأميركي على امتصاصِ صدمة أسعار الطاقة أكثر من غيره، وإن كانت في محلها، فهي تركز على الجانب «الكلي» وتتجاهل مسألة مهمة: كيف تتوزع هذه الصدمة على دخل واستهلاك الناخبين؟

التحليل الكلي صحيح، فالاقتصاد الأميركي أقل اعتماداً على النفط من غيره، وهو ما يعني أنَّ الأثر التضخمي المباشر للحرب قد يكون محدوداً، مما يقلل الحاجة لرفع أسعار الفائدة، أو يحد من تباطؤ النمو. لكن هذه القراءة تظل ناقصةً؛ لأنَّها تتجاهل الفجوةَ بين المؤشرات الكلية و«توزيع» الآثار المترتبة عليها.

لتوضيح الفارق يجب علينا أولاً أن نميّز بين معدل التضخم ومستوى الأسعار. فمعدل التضخم هو في الأساس تعبير عن «متوسط ارتفاع الأسعار». تراجعه لا يعني أنَّ البضائع والخدمات التي نشتريها أصبحت أرخصَ، بل إنَّ أسعارها ترتفع بوتيرة أبطأ.

وهنا مربط الفرس؛ إذ إن الاقتصاد الأميركي تعرض بعد جائحة «كورونا» لأكبر موجة تضخمية منذ نهاية السبعينيات. فمنذ عام 2021 حتى فبراير (شباط) الماضي، تشير البيانات إلى ارتفاع متراكم في أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بنحو 25 في المائة، قابلته زيادة مماثلة في الأجور.

بالنسبة لأغلب الأسر الأميركية، يعني ذلك أنها - في أفضل الحالات - باتت تكافح لتراوح مكانها من دون تحقيق أي تقدم يُذكر في مستوى المعيشة، وفقاً لاستطلاعات رأي أخيرة استشهد بها تحليل نشره معهد «بروكينغز» في واشنطن.

من المهم التوضيح هنا أيضاً أنَّ الزيادة في الأسعار والأجور تعبر عن المتوسط. أما في التفصيل، فنجد ارتفاعاً أكبر في سلع وخدمات تشكل عنصراً مهماً في إنفاق المستهلك الأميركي، مثل السكن والصحة والتسوق اليومي.

ولعلَّ ذلك يفسر أيضاً سبب التراجع الكبير في مؤشر ثقة المستهلك الذي تصدره «جامعة ميشيغان»، والذي انهار مطلع الشهر الحالي إلى أدنى مستوياته منذ إطلاقه عام 1952؛ لأنَّ المستهلك الأميركي لا يرى الحرب كصدمة سعرية جديدة، ولكنَّه ينظر إليها باعتبارها امتداداً لسلسلة من الضربات التي طالته على مدار السنوات الخمس الماضية.

لذلك كانت «أزمة تكاليف المعيشة» إحدى السرديات الأساسية في الولايات المتحدة عشية اندلاع الحرب، رغم محاولة الرئيس ترمب التقليل منها خلال خطاب «حالة الاتحاد». كما كان ارتفاع الأسعار سبباً رئيسياً للخسارة القاسية التي مُني بها الديمقراطيون في الانتخابات الرئاسية أمام ترمب عام 2024، رغم زيادة الأجور والتوظيف في عهد الرئيس السابق جو بايدن.

سوق العمل ليست في أفضل حالاتها هي الأخرى؛ إذ أظهرتِ البيانات الرسمية أنَّ معدل التوظيف العام الماضي كان الأدنى منذ 2003 باستثناء سنوات الركود الاقتصادي. ماذا عن الأجور؟ يظهر تقرير لمعهد «بنك أوف أميركا» أنَّ زيادة الدخل بعد الضرائب للأسر ذات الدخل المنخفض كانت أقل من 1 في المائة في يناير (كانون الثاني) هذا العام على أساس سنوي، مقابل ارتفاع بلغ 1.6 في المائة لمتوسطي الدخل، و3.7 في المائة للشريحة العليا. يرى بعض خبراء الاقتصاد أنَّ حجم الفجوة بين أصحاب الدخل الأعلى والأقل يعني أن الأثرياء، أو الأسر الموسرة على الأقل، هي التي تشكل قاطرة الإنفاق الاستهلاكي الأميركي. لذلك، لا يستبعدون أن يحقق الاقتصاد نمواً جيداً هذا العام مدفوعاً بمكاسب قطاع النفط والغاز. كما أنَّ الأثر التضخمي قد يكون محدوداً وأقل من مثيله في الدول الأخرى، وهو ما يعني أنَّ «الاحتياطي الفيدرالي» قد لا يتجه لرفع أسعار الفائدة. لكن هذا كله لا يمنع أن يشعر المستهلك الأميركي بزيادة الضغوط المعيشية في الوقت نفسه. مشكلة السياسيين أنَّ المستهلك يتحول عند التصويت إلى ناخب. وأمام صناديق الاقتراع، لا يملك الأغنياء أصواتاً أكثر من غيرهم.