في الثامن من أبريل 2026، حين هدّد الرئيس ترامب بمحو الحضارة الإيرانية، وقف العالم على أعصابه مترقّباً، في لحظة دولية شديدة الحساسية تعيد إلى الأذهان واحدة من أخطر محطات القرن العشرين، حين بلغ التوتر ذروته خلال أزمة الصواريخ الكوبية، وكاد العالم ينزلق إلى مواجهة نووية شاملة، قبل أن تتدخل الحكمة السياسية لتجنّب الانفجار الكبير.
لم تدم تلك اللحظة طويلاً؛ إذ تدخّلت باكستان وعرضت وساطتها بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، فأُعلن في اليوم ذاته عن هدنة مدتها أسبوعان، ظنّ كثيرون أنها بداية لمسار دبلوماسي حقيقي. وفي الحادي عشر من أبريل، انعقدت في إسلام آباد أعلى مباحثات بين واشنطن وطهران منذ اتفاق 2015، حين توجّه نائب الرئيس جي دي فانس على رأس وفد أمريكي للتفاوض وجهًا لوجه مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقچي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، في مشهد بدا للوهلة الأولى وكأن العقل بدأ يتقدّم على السلاح.
غير أن واحدًا وعشرين ساعة من المفاوضات المضنية انتهت دون اتفاق؛ فقد أصرّت واشنطن على أن تتخلى إيران عن برنامجها للتخصيب نهائياً وتسلّم يورانيومها المخصّب، فيما طالبت طهران بالإفراج عن أصولها المجمّدة، وبإبقاء السيطرة على مضيق هرمز في يدها، والوقف الفوري للعدوان على لبنان. وهكذا انهارت المفاوضات، لا لغياب الإرادة وحده، بل لأن كل طرف جاء يريد الاستسلام من الآخر، لا السلام.
وما إن غادر فانس باكستان حتى أعلن ترامب فرض حصار بحريف شامل على المضيق، وتوعّد بإعدام أي سفينة إيرانية تقترب من قواته، فيما قفزت أسعار النفط فوق مئة دولار للبرميل، وتوقفت حركة الشحن فيه فجأة.
المشهد الراهن، بما يحمله من تصعيد سياسي وعسكري متسارع، يعكس حجم التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في ظل رهانات تتجاوز حدود الصراع التقليدي لتطال بنية النظام السياسي ذاته. فثمة من يراهن على إسقاط النظام في إيران وإعادة تشكيله وفق توازنات جديدة، بما يحقق مصالح القوى الدولية ويعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة.
غير أن التاريخ يعلّمنا أن مثل هذه الرهانات، مهما بدت ممكنة في لحظة معينة، قد تتحول إلى شرارة لصراعات أوسع، كما حدث عند اندلاع الحرب العالمية الأولى إثر حادثة اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، فقد تحولت تلك الحادثة التي بدت في ظاهرها محدودة إلى حرب مدمرة أودت بحياة نحو عشرين مليون إنسان وأسهمت في سقوط إمبراطوريات كبرى. ولم تكد البشرية تلتقط أنفاسها حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية، التي أعادت تشكيل العالم سياسياً وجغرافياً.
واليوم، يُضاف إلى مشهد الخطر بُعد آخر مقلق: فقد كشفت تقارير موثوقة أن إيران فقدت تتبّع بعض الألغام التي زرعتها في مضيق هرمز، مما يجعل المضيق خطرًا على الجميع دون تمييز وهو مؤشر صارخ على أن الحروب حين تبدأ تفقد أصحابها السيطرة عليها.
اليوم، يعود العالم إلى نقطة توتر جديدة، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع موقع استراتيجي بالغ الحساسية في منطقة الخليج، التي تشكّل شريان الطاقة العالمي. وفي هذا السياق، لم يعد النفط مجرد مورد اقتصادي، بل تحوّل إلى سلاح في معادلة الصراع، إذ حذّر خبراء الطاقة من أن أسعاره قد تظل مرتفعة حتى نهاية عام 2026 على أقل تقدير.
وفي خضم هذا كله، ارتفعت أصوات دول الجوار تدعو إلى التهدئة؛ إذ نادى وزير خارجية عُمان بدر البوسعيدي بتمديد الهدنة واستئناف المفاوضات، مؤكدًا أن النجاح يستلزم من الجميع تقديم تنازلات مؤلمة، لكنها لا شيء أمام ثمن الفشل والحرب.
إن العالم اليوم أمام اختبار حقيقي لإرادة السلام؛ فإما أن تتقدم لغة الحوار والعقل، كما حدث في لحظات تاريخية حرجة، أو أن ينزلق الجميع إلى صراع قد لا تكون له حدود ولا يمكن التنبؤ بنتائجه أو نهايته. وما فشل إسلام آباد إلا دليل على أن الفجوة بين الحرب والسلام باتت أضيق من ورقة، وأن ما يفصل العالم عن كارثة كبرى ليس أكثر من خطأ في الحساب، أو رسالة تُساء قراءتها.
لم يعد مقبولًا استمرار حالة الشلل التي تعاني منها المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، نتيجة آليات لم تعد تعبّر عن واقع العالم المعاصر. إن إعادة النظر في بنية النظام الدولي باتت ضرورة ملحّة، وفي مقدمتها إصلاح مجلس الأمن، بما يشمل الحدّ من استخدام حق النقض الذي أصبح أداة لتعطيل إرادة المجتمع الدولي والتحكم في مصائر الشعوب.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نظام دولي أكثر عدالة يقوم على ترجيح إرادة الأغلبية في اتخاذ القرارات، بما يعكس التوازن الحقيقي في المجتمع الدولي، ويمنح الدول النامية دوراً فاعلا
ً في صناعة القرار. كما أن إنصاف القارتين العربية والأفريقية يقتضي منحهما تمثيلاً دائماً في مجلس الأمن، بما ينسجم مع ثقلهما الجغرافي والديمغرافي والسياسي، ويعزز شرعية القرارات الدولية، ويحدّ من اختلالات النظام العالمي الراهن.