آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-02:35ص

حين تعجز الدولة عن دفع الرواتب: سقوط الشرعية من جيب المواطن

الأربعاء - 15 أبريل 2026 - الساعة 03:16 م
عوض عميران

​لم تعد شرعية الحكومات في عالم اليوم تُقاس فقط بالاعتراف الدولي أو الخطاب السياسي، بل بقدرتها الفعلية على أداء وظائفها الأساسية تجاه المجتمع. وفي مقدمة هذه الوظائف: توفير الخدمات العامة الضرورية كالمياه والكهرباء، وضمان حد أدنى من الرعاية الصحية، والأهم من ذلك الوفاء بالتزاماتها التعاقدية تجاه مواطنيها، وفي طليعتها صرف رواتب الموظفين الحكوميين.

​فالراتب ليس منّة من السلطة، بل هو مقابل عمل يؤديه الموظف في قطاعات تمس حياة الناس اليومية، مثل التعليم والصحة والأمن. ومن هنا، يصبح انتظام صرف الرواتب أحد أهم مؤشرات وجود الدولة من عدمها.

​غير أن الواقع في العاصمة المؤقتة عدن يكشف مفارقة صارخة بين ما يُفترض أن تكون عليه الحكومة، وما هي عليه فعليًا. فالحكومة، من حيث المبدأ، تحتكر أدوات الجباية وتحصيل الموارد، من ضرائب وجمارك ورسوم سيادية، إضافة إلى إيرادات النفط والغاز والاتصالات، فضلًا عن الدعم الدولي والمنح الإقليمية، وهي موارد كفيلة—نظريًا على الأقل—بتأمين الحد الأدنى من التزاماتها.

​لكن، وعلى مدى أكثر من عقد من الزمن، ظلت واحدة من أبرز وعود الحكومات المتعاقبة هي “الانتظام في صرف الرواتب”، وهو وعد لم يتحقق إلا بشكل متقطع، بل إن الأداء الحكومي يسير في اتجاه معاكس تمامًا، حيث يتراجع بدل أن يتطور.

​وفي سياق متصل، لا تقف تداعيات انقطاع رواتب الموظفين عند حدود المعاناة الفردية أو الأسرية، بل تمتد لتضرب عمق النشاط الاقتصادي برمّته. فمع تراجع القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المجتمع—وهم الموظفون الحكوميون الذين يشكّلون قاعدة الاستهلاك الأساسية—يشهد السوق حالة ركود متزايدة، حيث تنخفض حركة البيع والشراء وتتقلص السيولة المتداولة بين أيدي الناس. وهذا الركود لا يلبث أن ينعكس سلبًا على القطاع الخاص، الذي يجد نفسه أمام تراجع حاد في الطلب، ما يدفع العديد من المنشآت إلى تقليص نشاطها أو تسريح جزء من موظفيها لتقليل الخسائر.

​وبهذا الشكل، تتحول أزمة الرواتب من مشكلة حكومية إلى أزمة اقتصادية شاملة، تتسع دائرتها لتشمل آلاف العاملين في القطاع الخاص، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة بشكل متسارع. ومع تزايد أعداد العاطلين عن العمل، تتراكم الضغوط الاجتماعية والنفسية على الأفراد والأسر، في ظل غياب أي شبكات أمان حقيقية، الأمر الذي يفتح الباب أمام تفاقم مظاهر الانحراف، وانتشار الجريمة، وتآكل المنظومة القيمية والأخلاقية، كنتيجة طبيعية لحالة العوز والاختلال التي يعيشها المجتمع.

​فحين تخلو الموائد وتذبل وجوه الأطفال، تصبح المبادئ والوعود السياسية مجرد ترف فكري لا يسمن ولا يغني من جوع. إن "صوت المعدة" في السياق اليمني الحالي ليس مجرد نداء للطعام، بل هو صرخة احتجاج ضد العجز الرسمي؛ فعندما يعجز رب الأسرة عن تأمين الرغيف، تضيق أمامه الخيارات وتتلاشى فاعلية "الضمير الجمعي" لصالح غريزة البقاء. إنها اللحظة التي تدرك فيها السلطة -أو ينبغي لها أن تدرك- أن الجوع هو أسرع طريق لهدم الانتماء، وأن المعدة الخاوية لا تملك أذناً صاغية للخطابات، ولا قلباً قادراً على الصبر فوق طاقة البشر.

​وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الراتب الحكومي قادرًا على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، نتيجة التدهور المستمر في قيمة العملة المحلية وارتفاع تكاليف المعيشة. ومع ذلك، لا يزال يشكّل شريان الحياة الرئيسي لغالبية السكان في المناطق المحررة، ما يجعل أي تأخير أو انقطاع في صرفه بمثابة أزمة إنسانية مباشرة.

​وتزداد الصورة قتامة مع تدهور الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي، وتراكم الأعباء المعيشية على الأسر، في ظل غياب حلول حقيقية. ورغم كل ذلك، تستمر الحكومة في إظهار عجز غير مبرر عن الوفاء بأبسط التزاماتها، وفي مقدمتها صرف رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين.

​والمفارقة الأكثر إثارة للتساؤل، أن هذه الحكومة نفسها تلوّح بخيار الحرب، وتتوعد بمواجهة جماعة الحوثي في حال تعثر مسار السلام. لكن هذا الطرح يفتح بابًا لسؤال جوهري لا يمكن تجاهله: بأي جيش يمكن خوض هذه الحرب؟

جيش لا يتقاضى أفراده رواتبهم بانتظام، ولا يجدون الحد الأدنى من مقومات الاستقرار المعيشي، هو جيش مُنهك قبل أن يدخل المعركة. فالحروب لا تُخاض بالشعارات، بل بجنود يشعرون بأن دولتهم تقف خلفهم، لا تتركهم فريسة للعوز والإهمال.

​إن أزمة الرواتب في عدن ليست مجرد خلل إداري أو مالي، بل هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وحدود قدرتها على ممارسة وظائفها الأساسية. وبين خطاب “الشرعية” وواقع الأداء، تتسع فجوة خطيرة، تهدد بتآكل ما تبقى من ثقة المواطنين في مؤسسات يفترض أنها تمثلهم وتحمي مصالحهم.