تتصدر الواجهة السياسية اليوم نقاشات حادة حول مسمى "الجنوب العربي"، بين من يراه هوية وطنية مستقله، ومن يراه مصطلحاً سياسياً استعمارياً طرأ على الجغرافيا اليمنية في لحظة فارقة من ثلاثينيات القرن الماضي
وهنا نفتح الباب مجدداً لقراءة التاريخ بعيداً عن العواطف السياسية، مستنداً إلى وقائع تؤكد أن المسمى لم يكن سوى نتاج لترتيبات بريطانية بحتة.
*نشأة الاتحاد:صنيعة "المصالح" البريطانية*
أن "اتحاد الجنوب العربي" الذي يستحضره البعض اليوم كدولة تاريخية، لم يكن في حقيقته سوى كيان مؤسس من قبل بريطانيا في عام *1936*.
جاء هذا التأسيس كترجمة عملية لاتفاقية عام *1934م* مع الإمام يحيى حميد الدين، وهي الاتفاقية التي رسمت حدوداً سياسية جديدة، تم بموجبها ضم "الضالع" إلى الجنوب و"البيضاء" إلى الشمال في إطار تقاسم نفوذ واضح.
ولم يتوقف الأمر عند ترسيم الحدود، بل تجاوز ذلك إلى بناء هيكل سياسي تمثل في:
*المجلس التشريعي:*
الذي أدار شؤون الاتحاد تحت الإشراف البريطاني.
وحكومة الاتحاد ضمت في تشكيلتها وزراء من سلاطين الجنوب البارزين، أمثال علي عاطف الكلدي، وأحمد عبدالله الفضلي، وبن هرهرة، وغيرهم ممن أداروا هذا الكيان تحت المظلة الاستعمارية.
والحقيقة التاريخية الجوهرية: هي انها لم تجد دولة مستقلة ومعترف بها في الجنوب قبل عام 1967م.
وما سبق ذلك كان عبارة عن سلطنات وإمارات ومشيخات متناثرة جمعها الإطار البريطاني تحت مسمى "الاتحاد".
واذا ما استحضرنا الجذر
التاريخي لمسمى "اليمن" سنجد أن أول ذكر رسمي له يرتبط بـ*مملكة سبأ* التي بزغ فجرها في عام *800 قبل الميلاد*.
ومن العاصمة مأرب، امتد النفوذ السبئي ليشمل ولاية حضرموت، مما يؤكد أن الوحدة الجغرافية والهوية اليمنية ضاربة في عمق التاريخ وليست وليدة القرن العشرين.
*دمون دمون.. إنا معشرٌ يمانيون*
بهذا البيت الشهير لامرئ القيس، ملك وشاعر العرب، نستدل على تجذر الهوية اليمانية في قلب حضرموت.
فمنطقة *"دمون"* التي لا تزال قائمة ومعروفة في حضرموت حتى يومنا هذا، كانت الشاهد الذي نطق به لسان امرئ القيس ليؤكد انتمائه وهويته اليمانية قبل قرون طويلة من ظهور المسميات السياسية الحديثة.
*خلاصة القول*
إن الجدل حول مسمى "الجنوب العربي" يضعنا أمام مواجهة بين *"الهوية الطارئة"* التي فرضتها ظروف الاستعمار وتقسيمات السلطنات، وبين *"الهوية التاريخية الجامعة"* التي توثقها الممالك القديمة وأشعار العرب.
فهل ينجح التاريخ في تصحيح المسارات السياسية المعاصرة، أم أن المسميات المستحدثة ستظل ورقة في صراع الهويات؟