آخر تحديث :الثلاثاء-26 مايو 2026-12:02ص

بيني وبينك يا حبيبي سر مكنون

الخميس - 16 أبريل 2026 - الساعة 03:00 م
نبيل احمد الرياشي

​كان من المفترض أن يُقام في تعز مهرجان "أوعدك" أواخر الشهر الماضي، في الفترة من 26 إلى 28 مارس 2026م، احتفاءً وتخليداً للفنان الراحل محمد سعد عبد الله، إلا أنه في اللحظات الأخيرة تم تأجيل الفعالية — التي رعتها مؤسسة صروح للتنمية الثقافية والإنسانية — حتى إشعار آخر على امل اقامتها في اقرب فرصه.

وحتى حلول الموعد القادم ان شاء الله يصادف يومنا هذا الموافق 16 أبريل 2026م، الذكرى الرابعة والعشرين لرحيله، رحمه الله. وهنا لا بأس أن نتناول قليلاً في هذا الشأن بعضاً من مراحل حياة الراحل الطويلة والواسعة في الساحة الفنية اليمنية.

​فقد غادر أولاً والد الفنان محمد سعد من منطقة "ماوية" بمحافظة تعز، منتقلاً إلى "حوطة لحج" التي استقر فيها، قبل أن ينتهي بهم المقام في "الشيخ عثمان" بعدن. كان والده المنحدر من أسرة صوفية قد تأثر حينها بالتراث اليمني للفن الصنعاني ثم المدرسة اللحجية، وتوفاه الله ولم يكن ولده محمد سعد قد بلغ العاشرة من عمره.

​عاش الراحل محمد سعد، المولود في حوطة لحج عام 1938م، حياة جمعت بين تأثير المعاناة والفن، لتتوسع مع الوقت والسنين مداركه واهتماماته، وخصوصاً بعد انتقاله إلى عدن التي مهدت لبداية انطلاقته الأولى والقوية في عالم الفن، ولتتجسد فيه قيم الولاء والحب لوطنه الكبير.

​فقد ساقته الكلمة المعبرة والخاطرة الممزوجة بروحانية الشعر وأطياف النغم إلى الوقوف عند كل المراحل والأحداث التي كان يمر بها اليمن شمالاً وجنوباً، والتي لم تغب عنه قط. ولعل ميدان الشهداء بتعز — على سبيل الذكر — شاهدٌ على ذاك الحضور المميز لـ "ابن سعد" عقب ثورة سبتمبر عام 1962م؛ فقد كان من أوائل الفنانين الواصلين من جنوب الوطن، ثائراً ومباركاً بأغانيه الوطنية والحماسية التي جسدت روح المعاني العميقة في خاطرته الجياشة نحو بلده، وامتثالاً لنصرة قضاياه المصيرية. وكذلك كان الحال في جنوب الوطن إبان ثورة أكتوبر عام 1963م وحتى رحيل المحتل.

​كان يمتلك — رحمه الله — الروحية الإيمانية والفكر الواسع والنظرة المتأنية والقلب الطاهر المفعم بالحب والطيبة والقبول، وغيرها من الصفات التي كان لها الأثر الطيب عند كل من عرف محمد سعد عبد الله وعند محبيه في كل مكان. فقد ذاع صوته وملأ الأرجاء، وكان الأقرب إلى قلوب المستمعين؛ إذ يُعد "الفنان محمد سعد عبدالله" من القلة القليلة من فنانينا الذين أتقنوا جميع الألوان الغنائية اليمنية دون استثناء، إن لم يكن أولهم، وكذلك من القلة الأوائل الذين كتبوا الشعر وأجادوه صوتاً ولحناً وأداءً في آن واحد، وهذه ميزة وملكة أدبية وحسية وفنية لم تجتمع وتتوحد إلا لدى "ابن سعد" الذي يُعد فعلاً من كبار الفنانين والشعراء اليمنيين في المجال الغنائي، ومن المحافظين بشدة على التراث الفني اليمني الأصيل.

​هذه الترانيم الإبداعية الغزيرة والقدرة الفائقة والنفس الجياشة المرهفة التي كان يتمتع بها محمد سعد، كان لها المدلول الذهني والحسي في انسيابية الشعر الغنائي العاطفي المليء بالشوق والحب والعتاب والفراق. فقد استطاع "ابن سعد"، المفعم بدفء الإحساس وحضور الفكرة التصويرية، مزج الكلمة والمعنى في أسلوب انسيابي جميل وبسيط وغير متكلف، ولعل ذلك ما جعل أغانيه العاطفية تلامس القلوب وتحتل مرتبة عالية.

​فمن أغنية "محلى السمر جنبك" لمحمد عبده غانم، وأغنية "ما با بديل"، توالت السعة العاطفية في شعره كتابةً وأداءً ولحناً، ليشدو بأغانيه الطربية التي لاقت بطبيعتها رواجاً كبيراً داخل الوطن وخارجه، والمتداولة حينها عبر أشرطة الكاسيت والقنوات التلفزيونية المحلية.

​ترك لنا "أبو مشتاق" مخزوناً ورصيداً وافراً في قائمة أغانيه، منها على سبيل الذكر:

"كلمة ولو جبر خاطر"، "وسط صنعاء شفت ذياك الغزال"، "يقرب الله لي بالعافية والسلامة"، "أمير الغيد"، "يوم الأحد في طريقي"، "اهجره وانساه"، "يا طير يا ذا المعلي"، "فات الأوان"، "ياللي الدلع ضيعك"، "أنا أقدر أنساك"، "غيروك الناس عني"، "ردوا حبيبي وروحي"، "أعطيتني وعد"، "بيني وبينك يا حبيبي سر مكنون"، "يحلها ألف حلال"، "أعز الناس"، "اشتي أشوفك".. إلى آخر القائمة. كما لا ننسى بعضاً من أغانيه الوطنية والصوفية مثل: "بلاد الثائرين"، "لبيك يا صنعاء"، "جمهورية أعلناها"، "وحدويون"، و"سبوح يا قدوس".