بقلم: د/ عارف محمد عباد السقاف
تعد المناطقية من أخطر الظواهر التي تنخر في جسد المجتمعات، خصوصا حين تتسلل إلى مؤسسات الدولة الذي يفترض بها أن تكون نموذجا للتكامل المجتمعي، كالمجتمع المدني والجهاز الإداري للدولة. فبدلا من أن يكون الانتماء الوطني هو الجامع، يتحول الانتماء الجغرافي الضيق إلى أداة تمييز و تفاخر، بل وأحيانا إلى وسيلة لإقصاء الاخرين.
إن قيام بعض المسؤولين بتذييل أسمائهم بمناطقهم أو الإشارة إليها في سياق العمل العام ليس مجرد تصرف عابر، بل يعكس خللا عميقا في الوعي المؤسسي والثقافة الوطنية. هذا السلوك لا يمكن اعتباره إيجابيا أو بريئا، بل هو ممارسة تكرس الانقسام المحتمعي وتغذي روح التعصب، وتعيد إنتاج الولاءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
المناطقية بهذا الشكل تخلق بيئة خصبة للصراع الاجتماعي، حيث يشعر الأفراد بأن الفرص والانتماءات باتت مرتبطة بالأصل الجغرافي لا بالكفاءة أو الاستحقاق. ومع مرور الوقت، تتشكل اصطفافات غير صحية داخل المؤسسات، وتتراجع قيم العدالة والمواطنة، لتحل محلها معايير الولاء والانتماء الضيق.
كما أن هذا السلوك ينعكس سلبا على ثقة المجتمع بمؤسساته، إذ يرى المواطن أن المسؤول لا يمثل الدولة بقدر ما يمثل منطقته، وهو ما يضعف هيبة الدولة ويقوض فكرة الحياد المؤسسي. ومع غياب الردع أو التوجيه، يتحول هذا النمط إلى ثقافة عامة، يتبناها البعض ظنا منهم أنها تعزز المكانة أو النفوذ.
وعند استحضار تجربة دولة الجنوب قبل الوحدة، وتحديدا في عهد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، نجد أن الخطاب الرسمي والسلوك الإداري كان يميل إلى تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، والحد من أي مظاهر تمييز مناطقي أو قبلي. لم يكن مقبولا أن يقدم المسؤول نفسه من خلال منطقته، بل من خلال موقعه ودوره في خدمة الدولة والمجتمع. وقد ساهم هذا النهج، إلى حد كبير، في ترسيخ حالة من التماسك الاجتماعي والشعور بالمواطنة المتساوية، رغم التحديات التي كانت تواجهها تلك الدولة.
إن المقارنة هنا ليست من باب الحنين إلى الماضي، بل لاستخلاص الدروس. فالمجتمعات التي نجحت في بناء مؤسسات قوية هي تلك التي حاربت كل أشكال الانقسام، ووضعت معايير واضحة تقوم على الكفاءة والنزاهة، لا على الانتماءات الضيقة.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة إلى تدخل جاد من قبل صناع القرار لوضع حد لهذه الظاهرة، من خلال:
إصدار توجيهات واضحة تمنع استخدام الانتماءات المناطقية في الخطاب الرسمي والوثائق الرسمية أو ما شابه ذلك.
تعزيز ثقافة المواطنة في المناهج التعليمية والإعلام.
ربط التقييم الوظيفي بالكفاءة والأداء، لا بالولاءات.
محاسبة كل من يروج أو يمارس التمييز بأي شكل من الأشكال.
إن بناء دولة حديثة لا يمكن أن يتحقق في ظل انتشار مثل هذه السلوكيات، التي تقوض أسس العدالة وتزرع بذور الفرقة. فإما أن نختار طريق المواطنة الجامعة، أو نظل ندور في حلقة مفرغة من الانقسامات التي تستنزف طاقات المجتمع وتبدد فرص النهوض.
ويجب ان تبقى المسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند مؤسسات الدولة، فالوطن لا يبنى بالمناطق، بل بسواعد أبنائه جميعا دون استثناء.