آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-02:35ص

المسألة اليهودية: كيف صدرت أوروبا أزمتها العنصرية إلى قلب العرب؟

الجمعة - 17 أبريل 2026 - الساعة 09:43 م
عوض عميران

​دائماً ما تُقدّم "المسألة اليهودية" في الأدبيات الغربية والصهيونية كعقدة تاريخية غارقة في التعقيد، تتشابك فيها الأساطير الدينية بالحقائق الجيوسياسية. لكن، عند إزالة غبار البروباجندا، نجد أن الحقيقة تتجلى ببساطة صادمة: نحن لسنا أمام صراع ديني أزلي، بل أمام أزمة عنصرية أوروبية بامتياز، نشأت بين طرفين أوروبيين (المسيحية المتطرفة واليهودية المنغلقة)، وانتهت باتفاق الطرفين على تصدير الانفجار إلى المنطقة العربية والإسلامية.

​صراع "الغريب" في البيت الأوروبي

​تاريخياً، لم تكن أوروبا يوماً واحة للتسامح. المسألة اليهودية بدأت كأزمة هويّة داخل القارة العجوز؛ حيث فشل العقل الأوروبي في استيعاب "الآخر" الموجود في أحشائه. كان اليهود يعيشون في "جيتوهات" معزولة، يقابلهم مجتمع مسيحي يراهم المسؤول الأول عن كل كوارثه، من الطاعون الأسود وصولاً إلى الأزمات الاقتصادية.

​هذا التدافع العنصري أنتج حلولاً دموية عبر القرون:

​الحل الإقصائي: كما حدث في "محاكم التفتيش" في الأندلس، حيث وُضع اليهود بين خيار التنصر أو التهجير القسري.

​الحل الإبادي: والذي تجلى في أبشع صوره في "المحرقة" النازية (الهولوكوست). لقد كانت المحرقة هي "الحل النهائي" الذي اقترحه العقل العنصري الأوروبي في لحظة جنونه القصوى لتصريف كراهيته.

​الصهيونية: "مكب نفايات" الأزمات الأوروبية

​الغريب في المفارقة التاريخية، أن الحركة الصهيونية لم تكن مشروعاً يهودياً خالصاً، بل كانت "مخرجاً طوارئ" للنخب الأوروبية المسيحية التي أرادت التخلص من الوجود اليهودي دون أن تبدو بمظهر القاتل.

​لقد أدركت بريطانيا وفرنسا ومن ثم أمريكا، أن إنشاء كيان صهيوني في فلسطين يحقق هدفين بضربة واحدة:

​تفريغ أوروبا من اليهود: ونقلهم إلى منطقة بعيدة جغرافياً.

​زرع خنجر وظيفي: لخلق حالة من "الفوضى العارمة" في المنطقة العربية، تمنع توحدها وتضمن بقاءها تحت السيطرة الاستعمارية.

​تصدير الغضب.. الضحية تدفع ثمن جريمة الجلاد

​إن أخطر ما في هذه المعادلة هو عملية "توجيه الغضب". لقد تعرض اليهود في أوروبا لقرون من الإذلال والتنكيل على يد المسيحيين الأوروبيين، وبدلاً من أن يطالبوا بحقوقهم أو تعويضاتهم داخل الجغرافيا التي اضطهدتهم، تم توجيه هذا "المخزون السيكولوجي من الحقد" نحو الشعب الفلسطيني.

​لقد أُطلق العنان للآلة العسكرية الصهيونية لتفرغ غضبها التاريخي في أجساد الأطفال والنساء في غزة والقدس والضفة الغربية. إن ما نراه اليوم من "هواية القتل" والتنكيل الممنهج، ليس إلا انعكاساً لعقدة النقص التاريخية التي يحاول الكيان الصهيوني ترميمها من خلال ممارسة دور "الجلاد" على شعب لم يظلمه يوماً، بل كان تاريخياً هو الأكثر احتضاناً له حين طردته أوروبا.

​فوضى مُدارة بامتياز

​الهدف النهائي من هذا "التصدير" لم يكن إيجاد وطن لليهود كما يزعمون، بل خلق بؤرة توتر دائمة. فالعالم العربي والإسلامي، بمقدراته وموقعه، يمثل تهديداً استراتيجياً للمركزية الغربية. لذا، كان لا بد من زرع هذا الكيان الذي يتقن "الخيانة والقتل" – كما سجل التاريخ عليهم حتى مع الأنبياء – ليكون أداة لتعطيل النهضة العربية.

​إننا اليوم نعيش في ذروة هذا المشروع؛ حيث يُباد شعب ويُهجر آخر، بينما تقف أوروبا – الجاني الحقيقي – متفرجة، بل وداعمة، لأنها تدرك أن بقاء هذه الفوضى في منطقتنا هو الضمان الوحيد لعدم عودة "المسألة اليهودية" لتطرق أبواب برلين ولندن وباريس من جديد.

​خلاصة القول: إن الصراع في فلسطين ليس صراعاً على "أرض موعودة"، بل هو ضريبة باهظة يدفعها العرب والمسلمون ثمن حنق العنصرية الأوروبية التي لم يجد الغرب مكاناً لتصريفها سوى في قلب جغرافيتنا وتاريخنا.