آخر تحديث :الأحد-19 أبريل 2026-01:47ص

فلسفة الموائد كيف تشكل اللحوم طباع الامم

السبت - 18 أبريل 2026 - الساعة 09:24 م
ايمن مزاحم

بقلم: ايمن مزاحم
- ارشيف الكاتب


يرى علماء الاجتماع والمؤرخون ان الانسان ابن بيئته ليس فقط في جغرافيتها ومناخها بل حتى في طبيعة ما يملا به جوفه من غذاء فمنذ قرون ادرك المفكرون وجود رابط خفي بين خصائص الحيوان الذي يقتاته الانسان وبين السلوك الذي ينعكس على شخصيته وكان الغذاء يحمل في ذراته شيفرة وراثية للاخلاق والطباع وقد جسد ابن خلدون هذه الرؤية حين ربط بين اكل العرب للابل واكتسابهم للغيرة والغلظة وبين اكل الاتراك للخيول وما ورثوه منها من قوة وشراسة مشيرا الى ان الطبيعة الجسدية للحيوان تسرب سماتها الى اكلها بمرور الزمن.


وتتعمق هذه الرؤية مع الامام ابن القيم الذي اكد ان من الف ضربا من الحيوانات اكتسب من خلقه فالمخالطة والاكل يورثان شبها قويا لا يمكن اغفاله فالحيوان الذي يعيش حرا ابيا او شرسا ينقل تلك الروح الى من يتغذى عليه بينما الحيوان الذي يقاد ويستانس يورث في النفوس نوعا من اللين او القبول بالتبعية هذه القاعدة لم تكن مجرد ملاحظات عابرة بل كانت تشخيصا لدور الغذاء في بناء الهوية النفسية للمجتمعات وتشكيل ملامحها الجماعية امام الامم الاخرى.


وبالنظر الى واقعنا المعاصر نجد ان المجتمع قد استبدل هيبة الخيول واصالة الابل بنمط غذائي استهلاكي يعتمد في معظمه على الدجاج هذا الطائر الذي فقد القدرة على التحليق في اعالي السماء واكتفى بالبقاء في المداجن يقتات على ما يلقى اليه ويملا الدنيا بقبقة وصياحا بلا اثر لقد تسللت هذه الصفات ببطء الى ثقافة المجتمع فكثرت الثرثرة والصياح في الفضاءات العامة مقابل تراجع الطموح العالي والانفة واصبح طاطاة الراس والرضا بالفتات سمة غالبة مما جعل الامم تتكالب علينا حين رات فينا روح الاستئناس لا روح الاقتحام.


ان مأساة عصر الدجاج لا تكمن في رخص ثمنه فحسب بل في رخص الهمم التي استمرات العيش في المداجن الضيقة واستعذبت الصياح الجوف الذي لا يغير واقعا ولا يرهب عدوا لقد خسرنا بالتدريج جينات التمرد والعلو واستبدلناها ببلادة الطيور التي لا تنظر الا لموضع قدميها فاصبحنا امة كثيرة العدد قليلة الهيبة تمارس الصياح بينما السكاكين تشحذ من حولها وكانما صدقت فينا النبوءة القديمة باننا ناكل مما نصبح عليه فغدونا امة تعشق الضجيج وتخشى التحليق.


لذلك فان استعادة رقي المجتمعات تبدا من هجر طباع الاستئناس والارتقاء بالنفس الى ذرى الاخلاق الرفيعة التي تمنح الفرد هيبة الاسود وانفة الابل بعيدا عن ضجيج الدجاج فالمتصف بالخلق النبيل هو الذي يحلق بروحه فوق الصغائر ويجعل من ادبه حصنا يعوض به ما فقده المجتمع من بسالة فادب القول وفعل الخير هما الجناحان الحقيقيان اللذان يرفعان الانسان الى اعالي السماء ليترك خلفه حياة المداجن والتبعية ويكون قدوة في سمته وقوة في فعله لا مجرد صدى لصياح لا يسمن ولا يغني من جوع.


ان هذا الرقي الاخلاقي هو الميزان الذي يحفظ للمرء عزة نفسه في زمن تكالبت فيه الامم فالمؤمن القوي بخلقه وترفعه عن الزلل يحفظ الود ويصون الكرامة ويواجه التحديات بضبط النفس عند الغضب ولين الجانب عند المقدرة وهي خصال تعيد صياغة المجتمع من قطيع مستضعف الى امة مهابة الجانب ترفض المذلة وطاطاة الراس فما اجمل ان يحيا المرء كريما يترك اثرا يفوح بالطيب وذكرا يتردد بالخير فيكون قدوة في صمته قبل نطقه ليعلن بهذا الادب نهاية عصر التبعية وبذلك كلمة طيبة اختتم قولي.