مائةُ يومٍ مرت على ذلك الهروب الكبير، ولا يزال المشهد يبدو عبثياً ومثيراً للشفقة، حين تلقي نظرة على ما تبقى من الجماهير المناطقية التي لا تزال تقتات على فتات الأوهام، مبشرةً بـ "عودة مظفرة" لن تحدث أبداً، ومؤملةً نفسها بكذبة كبرى مفادها أن المجلس الانتقالي لم يُحل. هذه المجاميع التي أدمنت التبعية العمياء، تقف اليوم -بعد مائة نهار من الغياب- أمام جدار الحقيقة القاسي، لكنها ترفض تصديقه؛ فتراها تبرر صمت عيدروس الزبيدي المطبق بأنه "استراحة محارب" أو "صمت يسبق العاصفة"، متوهمةً أن هذا الغياب الطويل والمريب هو تكتيك سياسي سيعود بعده أقوى مما كان.
إنها متلازمة التعلق بـ "الصنم"، حيث ترفض العقلية الشعبوية تقبل فكرة سقوط الوثن حتى وهو يتهاوى ويتبخر أمام عينيها. يسألون متى سيعود؟ ويتجاهلون السؤال الأهم: كيف سيعود وإلى أين؟
كيف يمكن لجنرال هارب أن يعود وقد تبخرت كل أدوات مشروعه خلال مائة يوم فقط؟ عودته اليوم مستحيلة ؛ فالمجلس المنحل الذي اتخذه غطاءً لمغامراته قد شُطب بقرار لا رجعة فيه، والصفات الرسمية التي كان يختبئ خلفها قد جُرد منها، بل وصدر بحقه صك الاتهام الأثقل: "الخيانة العظمى". كيف سيعود وعمليات تفكيك ميليشياته العسكرية وهياكله الموازية التي كانت تمثل ذراعه الباطشة تجري على قدم وساق؟ لقد تغير مسرح العمليات بالكامل، وتبدلت قواعد اللعبة الإقليمية والمحلية، ولم يعد في المعادلة الجديدة متسع لمقاولي الفوضى أو وكلاء المشاريع التخريبية.
لعل الصفعة الأقوى التي تلقاها هذا المشروع، والتي تحاول تلك الجماهير المخدوعة إنكارها طيلة أيام هذا الغياب، هي سقوط "الاحتكار القسري" لتمثيل القضية الجنوبية والشرقية. لسنوات، مارس هذا الكيان المنحل أبشع أنواع الإقصاء والتخوين، مصادراً صوت الجنوب لصالحه بقوة السلاح والتمويل الخارجي. أما اليوم، فقد عادت القضية إلى حجمها الطبيعي وسياقها العادل، متخففة من عبء الوصاية، لتستقر بين يدي الطيف الجنوبي الواسع والمتنوع الذي يمثلها حقيقةً، بعيداً عن المتاجرة الرخيصة والادعاءات الجوفاء. لقد انتهى زمن الممثل الوحيد، وسقطت خرافة التفويض الأبدي.
أمام هذا الانهيار الشامل ومائة يوم من الخرس، يبرز السؤال الملح: لماذا لا يتكلم؟ ولماذا يبتلع لسانه تاركاً أتباعه في عراء سياسي قارس؟
الجواب بسيط وموجع: لأنه لا يملك ما يقوله. إذا تكلم الآن بعد مائة يوم من الصمت، فبأي صفة سيتحدث؟ وما هو النص الذي يمكن أن يقرأه؟ هل سيعترف بهزيمته وفراره وانهيار إمبراطوريته المالية والعسكرية؟ أم سيعود لترديد شعاراته القديمة المستهلكة من داخل منفاه الإجباري، ليصبح أضحوكة سياسية مكتملة الأركان؟
إن صمته الممتد لمائة يوم ليس حكمة، بل هو عجز. هو يدرك جيداً أن أي ظهور إعلامي أو خطاب سيوجهه الآن لن يكون له أي أثر سوى إثبات حقيقة واحدة قاطعة: أننا أمام مجرد "عودة مجردة" لشبح فقد تأثيره، ودليل دامغ على انتهاء مشروع مدمر، واحتراق "قائد من ورق" صنعته الظروف الاستثنائية، وأسقطته أول اختبارات الدولة والقانون.
لقد أسدل الستار، ولم يبقَ في المسرح سوى أصداء خيبةٍ ثقيلة، وبعض جماهير مخدوعة تحتاج أن تستيقظ من غيبوبتها لترى أن الوطن يتجاوز الأفراد، وأن قادة الورق تحرقهم شمس الحقيقة في أول نهار.
أمين بارفيد
18 ابريل 2026