آخر تحديث :الجمعة-08 مايو 2026-03:04ص

معاوية بن أبي سفيان.. عبقرية التأسيس ومهندس وحدة الدولة

الأحد - 19 أبريل 2026 - الساعة 02:14 م
حسين سالم السليماني

بقلم: حسين سالم السليماني
- ارشيف الكاتب


إذا كان التاريخ يُكتب بمداد المواقف، فإن معاوية بن أبي سفيان قد كتبه بمدادٍ من ذهب السياسة وحكمة الاقتدار. لم يكن معاوية مجرد حاكمٍ تربع على عرش الخلافة، بل كان المهندس الأول الذي نقل الدولة الإسلامية من طور "التأسيس الراشد" إلى طور "الدولة العالمية" الفسيحة، محققاً بذكائه الفطري وحلمه المشهود ما عجزت عنه حدة السيوف في سنوات الفتن.


لم تكن "شعرة معاوية" مجرد مثلٍ يُضرب في المداراة، بل كانت نظرية سياسية متكاملة في فن إدارة الشعوب. لقد أدرك معاوية أن الحكم ليس استعراضاً للقوة، بل هو توازن دقيق بين الشدة واللين. كان يقول: "لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا مدوها خليتها وإذا خلوها مددتها". بهذه العبقرية، استطاع معاوية أن يروض القلوب النافرة، ويجمع شتات الأمة تحت راية واحدة بعد سنوات من التمزق، محولاً خصوم الأمس إلى أعوانٍ في بناء صرح الدولة.


لم يقف طموح معاوية عند حدود البر، بل كانت بصيرته ترحل خلف البحار. هو صاحب الفضل في كسر "عقدة البحر" لدى العرب، حين أسس أول أسطول بحري إسلامي، محولاً البحر المتوسط من "بحيرة رومية" إلى ساحة للسيادة الإسلامية. في عهده، تمددت الفتوحات شرقا وغربا، ولم تكن الجيوش تتحرك عبثاً، بل كانت تتحرك وفق رؤية استراتيجية تهدف لتأمين بيضة الإسلام وفرض هيبة الدولة الناشئة أمام أعظم إمبراطوريات العصر.


عُرف معاوية بـ "الحلم"، وهو حلم القادر لا حلم العاجز. كان يرى أن الانتصار بالكلمة والمداهنة السياسية أجدى وأبقى من الانتصار بالدم. استطاع بهذا الحلم أن يمتص غضب المعارضين، ويحول طاقاتهم نحو البناء والفتح. لقد كان مدرسة في "دبلوماسية التآلف"، حيث جعل من دمشق حجيجاً للوفود، ومنارةً للإدارة التي استعانت بالخبرات ونظمت الدواوين، فوضع بذلك حجر الأساس للجهاز الإداري الذي سار عليه خلفاء بني أمية وبني العباس من بعده.


حين تسلم معاوية الزمام في "عام الجماعة" (41 هـ)، لم يكن ذلك مجرد انتقال للسلطة، بل كان استجابةً للقدر وتصديقاً لنبوءة المصطفى صلى الله عليه وسلم بصلح ريحانته الحسن. لقد أثبت معاوية أنه كان "رجل المرحلة" الأنسب لإيقاف نزيف الدماء؛ فبذل المال في موضع البذل، والقول في موضع القول، حتى استقامت له الأمور، فعاشت الأمة في عهده فترة من الاستقرار والرخاء لم تشهدها منذ مقتل عثمان رضي الله عنه.

رحل معاوية بن أبي سفيان عن دنيانا، لكنه ترك خلفه إمبراطورية تمتد من حدود الصين إلى سواحل الأطلسي. لم يكن ملكاً مستبداً بقدر ما كان "سياسياً حصيفاً" عرف كيف يطوع الصعاب. سيظل معاوية في ذاكرة التاريخ الإسلامي هو الصحابي الذي أوتي جوامع الدهاء في الحق، والحاكم الذي صان وحدة الأمة، والقيادي الذي علمنا أن "بناء الدول" يحتاج إلى عقلٍ يزن الجبال، وقلبٍ يسع الخصوم قبل المحبين.