آخر تحديث :الإثنين-20 أبريل 2026-01:43ص

الشرعية الاقتصادية: لماذا يحتاج اليمن إلى إطار اقتصادي انتقالي؟

الأحد - 19 أبريل 2026 - الساعة 09:37 م
نايف حمود العزي

بقلم: نايف حمود العزي
- ارشيف الكاتب



تضع التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة، المتمثلة في استعادة الدولة لزمام المبادرة في المحافظات الجنوبية، الحكومة اليمنية أمام اختبار يتجاوز حدود الشرعية السياسية والعسكرية إلى ما يمكن تسميته بـ الشرعية الاقتصادية.


إن التحدي لم يعد محصورًا في إزاحة القوى الموازية وإنهاء السيطرة المسلحة خارج مؤسسات الدولة، بل في قدرة الحكومة على إدارة الاقتصاد بعقلية الدولة، وتفكيك البنية العميقة لـ«اقتصاد الحرب» الذي أعاد إنتاج نفسه طوال سنوات الصراع.




لقد أفرزت الحرب ما يمكن وصفه بـ«فخ الصراع الاقتصادي»، حيث تحوّلت الموارد إلى أدوات نفوذ، وتحوّل الاقتصاد إلى ساحة تنافس غير منظّم، يجد فيها المجتمع نفسه عالقًا في حلقة مفرغة من الفقر، وانعدام اليقين، وقابلية دائمة للانتكاس.




أولًا: المشكلة غير المرئية




إن مقاربة الأزمة الاقتصادية عبر إصلاحات نقدية أو مالية معزولة عن الإطار السياسي والمؤسسي الناظم لإدارة الموارد، تمثل تبسيطًا مخلًا لطبيعة الأزمة. فقد أثبتت التجربة اليمنية، كما تجارب دول الصراع، أن غياب التوافق السياسي على إدارة الموارد يُفرغ أي سياسة اقتصادية من مضمونها، ويحوّلها إلى إجراء مؤقت سرعان ما ينهار أمام أول اختبار.




المشكلة الجوهرية لا تكمن في شح الموارد فقط، بل في تعدد مراكز القرار الاقتصادي، وغياب إطار جامع يضبط العلاقة بين السياسة والاقتصاد، ويعيد للدولة دورها بوصفها المنظم الوحيد للدورة المالية.




ثانيًا: لماذا لا تكفي الحلول التقليدية؟




تشير الأدبيات الاقتصادية وتجارب ما بعد الصراع إلى أن المرحلة الأخطر ليست أثناء الحرب، بل بعدها. ففي هذه المرحلة، تتقاطع توقعات المجتمع المرتفعة مع هشاشة المؤسسات، وتتصاعد المطالب في ظل قدرة محدودة على الاستجابة. هنا تحديدًا تفشل الحلول التقنية المجتزأة، لأنها تعالج أعراض الأزمة لا بنيتها.




فالاستقرار النقدي لا يمكن فرضه إداريًا، وإصلاح المالية العامة لا ينجح دون بيئة مؤسسية متماسكة، وإعادة الثقة لا تُشترى بالقرارات، بل تُبنى عبر مسار تراكمي قائم على الوضوح والتوافق، وهو ما تؤكده أدبيات اقتصاد ما بعد الصراع، التي ترى أن الاقتصاد حين يُدار خارج إطار التوافق السياسي والمؤسسي، يتحول من أداة للتعافي إلى عامل معيق لبناء السلام.




ثالثًا: الحاجة إلى إطار اقتصادي انتقالي




لا يحتاج اليمن إلى استبدال مؤسسات الدولة بكيانات موازية، بل إلى إطار اقتصادي انتقالي يعيد تنظيم العلاقة بين المؤسسات القائمة، ويضبط إدارة الموارد في مرحلة استثنائية دون أن يصادر دور الدولة أو يستبدلها.




يقوم هذا الإطار على جملة من المرتكزات:


• إعادة هيكلة العلاقة بين المؤسسات الاقتصادية على أساس التوافق السياسي، لا الغلبة.


• توحيد قنوات تحصيل الموارد وضبط تدفقها ضمن منظومة شفافة.


• تحييد الملف الاقتصادي عن الصراع السياسي، باعتباره مجالًا مشتركًا لبقاء الدولة.


• إرساء استقرار نقدي بوصفه نتاجًا للاستقرار المؤسسي، لا بديلًا عنه.




ويستند هذا الطرح إلى مبدأ حاسم:


لا استقرار نقدي دون استقرار مؤسسي، ولا استقرار مؤسسي دون توافق سياسي على إدارة الموارد.




رابعًا: من التعافي إلى التنمية: مسار لا يحتمل القفز




تفترض الواقعية الاقتصادية الاعتراف بأن القفز المباشر إلى مرحلة التنمية في ظل اقتصاد هش ومؤسسات منقسمة هو وصفة مؤكدة للفشل. المسار المنطقي يقتضي تدرجًا واضحًا:


1. استقرار نقدي ومالي يوقف التدهور ويحمي الفئات الأضعف.


2. تعافٍ مؤسسي وإنتاجي يعيد تشغيل الاقتصاد الحقيقي.


3. تنمية مستدامة تقوم على توسيع القاعدة الإنتاجية والاندماج التدريجي في الاقتصاد الإقليمي والدولي.




إن عكس هذا الترتيب لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة.






خاتمة




يقف اليمن اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف العلاقة بين السياسة والاقتصاد، بعد سنوات طويلة كان فيها الاقتصاد امتدادًا للصراع، لا أداة لبناء الدولة. فالانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد التعافي لا تحسمه وفرة الموارد، بل كيفية إدارتها، ومن يديرها، وتحت أي إطار مؤسسي.




إن تبني إطار اقتصادي انتقالي، يقوم على التوافق والحوكمة، لا يمثل ترفًا فكريًا أو خيارًا مؤجلًا، بل شرطًا أساسيًا لمنع الانهيار، وبناء سلام اقتصادي يمهّد لسلام سياسي مستدام، فالدولة لا تُستعاد بالقوة وحدها، بل بقدرتها على إدارة الاقتصاد بوصفه المجال المشترك الأخير بين جميع الأطراف.