حسين علي باهميل
ليس سؤالاً عابراً… بل صفعة في وجه ستين عاماً من التزييف.
ستون عاماً… ونحن ندفع ثمن تهمة لم نخترها، ووصمة لم نصنعها.
في الستينات كنا عملاء للرجعية،
وفي السبعينات أصبحنا مرتزقة،
وبعد عام 94 تحولنا إلى عملاء للاحتلال الشمالي،
واليوم؟
نحن – في قاموسهم – خونة… عملاء… وكل ما يمكن أن يُقال لإسكات صوت الحقيقة.
فمن نحن إذن؟
هل نحن شعب حقيقي له تاريخ ودم وتضحيات؟
أم مجرد “واق واق” تُلصق به كل التهم كلما احتاجت السلطة إلى شماعة؟
الحقيقة التي يخافون منها بسيطة… ومؤلمة لهم:
نحن أول من نادى بتحرير الجنوب العربي منذ الستينات.
نحن من دفع الثمن… لا بالشعارات، بل بالأعمار.
أُعتقل آباؤنا…
أُخفي رجالنا…
شُرّد أهلنا في المنافي…
ومات كثير منهم غرباء، لا لشيء… إلا لأنهم قالوا “نحن هنا”.
نشأنا في المنافي، كبرنا بعيداً عن أرضنا،
وحين عدنا… وجدنا أنفسنا متهمين!
أي منطق هذا؟
وأي عدالة هذه التي تجعل الضحية متهماً… والجلاد وطنياً؟
نحن اليوم في الستين من أعمارنا،
لم نكن جزءاً من سلطة،
ولا شركاء في فساد،
ولا أدوات في أي مشروع.
لم نكن في حكومات الاشتراكية، ولا في أنظمة ما بعد 94.
كنا فقط… ندفع الفاتورة.
ومع ذلك، لم تُرفع عنا التهمة.
لماذا؟
لأن القضية لم تكن يوماً “موقفاً”… بل كانت “هوية” يريدون كسرها.
هم من كتبوا لأنفسهم الوطنية،
ومنحوا أنفسهم صكوك النضال،
ووضعوا الآخرين في خانة الخيانة.
هم من تنقلوا بين كل المشاريع:
من الاشتراكية إلى أقصى الرجعية،
ومن الشعارات الثورية إلى أبواب الارتزاق،
ومن رفض الخارج إلى الارتماء في أحضانه.
ومع ذلك… هم الطاهرون!
وغيرهم؟
متهمون حتى إشعار آخر.
أي عبث هذا؟
القضية اليوم لم تعد مجرد خلاف سياسي،
بل معركة وعي.
إما أن نقبل أن نُعرَّف كما يريدون،
أو نعيد تعريف أنفسنا كما نحن.
لسنا واق واق…
لسنا عملاء…
لسنا خونة…
نحن شعب دُفع به خارج تاريخه،
وحان الوقت أن يعود.
الجنوب ليس حكراً على أحد،
ولا الوطنية صك يُمنح من فئة،
ولا النضال رواية يكتبها المنتصرون فقط.
إن لم تُكسر هذه المعادلة اليوم،
فستبقى التهم تُورَّث كما تُورَّثد الأسماء.
وحينها…
لن يكون السؤال: من الخائن؟
بل: هل بقي فينا من لم يُتَّهَم بعد؟