حين تتأمل ملامح المشهد في جنوبنا « المكلوم » ، لا تملك إلا أن تضع يدك على رأسك من فرط العجب ، فنحن أمام مفارقة تثير الضحك والأسى في آن واحد .
كيف لهذا الشعب الصابر ، الذي سقى الأرض بدماء أغلى رجاله وخيرة شبابه ، أن يرى الوجوه ذاتها تطل عليه مجدداً ؟ ولكن هذه المرة بمساحيق تجميل سياسية جديدة ، تمارس هواية « القفز المظلي » بين المكونات ، وتغير جلودها مع كل إشراقة شمس !
هؤلاء « القفازون » الذين يغادرون مركباً ليركبوا آخر، لا يحملون في حقائبهم حلماً لوطن ، لكنهم يبحثون عن مرافئ دافئة لمصالحهم الشخصية ، ويتوهمون بسذاجة مفرطة أن استحداث « دكاكين » سياسية بمسميات رنانة هو الطريق لاستعادة الدولة ، بينما الحقيقة الساطعة لا تُحجب بغربال الشعارات الجاهزة .
يا هؤلاء .. إن ذاكرة الشعب الجنوبي ليست « مثقوبة » كما تظنون ! كيف يثق الشعب الجنوبي بمن كان بالأمس « يرعد ويُزبد » مؤكداً أن المجلس الانتقالي الجنوبي هو مشروع الوطن وطوق النجاة الوحيد ، ثم يطل علينا اليوم ببرود « ثلاجات الموتى » ليصف خطوات الأمس بأنها كانت مجرد « بيع للأوهام » ؟
إن هذا الانقلاب المفاجئ على الذات ليس «مراجعة شجاعة» كما يدعون ، بقدر ما هو « إفلاس » قيمي وأخلاقي كاشف وفاضح ، يؤكد أن القضية بالنسبة لهم ليست إلا « تذكرة عبور » للبقاء في دائرة الضوء والحفاظ على الامتيازات.
ولو كان هناك ثمة ذرة من صدق ، لكان الإدراك بأن الطريق اليوم لا يمر عبر « تفتيت المفتت » وزرع مكونات هشة بنفس الأسماء تحت رعاية « ممول جديد » ، بل عبر تصحيح مسار « المجلس الانتقالي » ذاته ، فالمجلس رغم الأخطاء والتجاوزات ، استطاع عبر رجاله المخلصين نقل القضية من زوايا الساحات الضيقة إلى ردهات القرار الدولي .
نعم التعددية السياسية ظاهرة صحية لا نمانعها بل نشجعها ، لكنها التعددية التي تضخ دماءً وفكراً جديداً ، لا تلك التي تعيد تدوير الوجوه والأسماء ذاتها في قوالب كرتونية .
هذا النضال «المعلب» الذي يتقنه هؤلاء القفازون هو نضال زائف بامتياز ، لن يحصد منه الشعب إلا خيبات أمل جديدة .
باختصار : بقاء هؤلاء في واجهة المشهد ليس حلاً للقضية الجنوبية ، بقدر ماهو جزء أصيل من الأزمة التي تعرقل مسار التطلعات الشعبية الجنوبية ، إن لم يكونوا هم «الأزمة» بعينها !