لعل أغرب ما شاع مؤخرا هو مصطلح "متبنكس" والحقيقة التي يجب أن نواجه بها أنفسنا هي أن هذا التوصيف بات يطال أطرافا في كلا الاتجاهين، فلا يحق لأحد أن يوزع صكوك الاتهام على غيره وهي ممارسة متجذرة لديه... وإن الاعتراف بالحقائق هو أولى خطوات النضج السياسي، فلا أحد ينكر دور الإمارات العربية المتحدة ووقوفها الصادق إلى جانب القضية الجنوبية واسهامها المباشر في بناء الجيش الجنوبي من نقطة الصفر وهذا فضل لا يجحده إلا جاحد، لكن منطق السياسة يقتضي توازنا دقيقا وكان من الأجدى إمساك العصا من المنتصف في العلاقة بين الإمارات والسعودية لضمان عدن ترك الخصوم في القوى الشمالية ينفردون بالتحالف مع الجار بينما ننشغل نحن بصراعاتنا الجانبية أو الركون لجهة دون أخرى..
يجب أن ندرك بواقعية ومسؤولية أن المصالح الدولية الكبرى هي المحرك الأساسي للمشهد، فالإمارات لن تضحي بعلاقاتها الاستراتيجية ومصالحها العليا مع السعودية من أجل مشروع دولة لم تكتمل ملامح بنائها بعد أو من أجل أشخاص مهما بلغت مكانتهم... لذا فإن قول الحقيقة والاعتراف بالخطأ حيثما وجد هو واجب وطني، ونحن ما زلنا على العهد مع القضية الجنوبية ومواقفنا نابعة من قناعة وطنية راسخة ولا يشترط أن نكون أعضاء في الانتقالي لنصدح بالحق، ولأن المرحلة الراهنة تتطلب منا ترتيب الصفوف بجدية والبعد كل البعد عن بيع الوهم لهذا الشعب المغلوب على أمره، فالصراحة مع الجماهير هي السبيل الوحيد لتحصين الجبهة الداخلية.
وفي الوقت ذاته لا يمكن التغاضي عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها المملكة العربية السعودية، وإن نسيت القيادات أو تناست فإن ذاكرة الشعوب حية ولا تطمس... ومع ذلك ومن أجل ضمان عدم العودة إلى مربع الصفر الذي لا يخدم إلا أعداءنا يتوجب علينا الوصول إلى أرضية مشتركة تتجاوز الحسابات والمصالح الشخصية الضيقة، والحكمة تقتضي أحيانا القبول بتنازلات تكتيكية مؤقتة لتهيئة المناخ والتحالف مع الإقليم بذكاء مع التشديد على رفض تحويل أراضينا إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية او الانصياع لإملاءات لا تصب في جوهر ومصلحة القضية الجنوبية..