تشهد محافظة المهرة مرحلة دقيقة تتداخل فيها الأزمات الخدمية والأمنية مع تعقيدات المشهد السياسي، في ظل تراجع ملحوظ في مستوى الخدمات الأساسية، واستمرار أزمة المرتبات، مقابل تصاعد مقلق في حوادث القتل الغامضة ووقائع الاختطاف التي سجلت حضورًا لافتًا خلال الأيام الأخيرة.
هذا الواقع المضطرب يتزامن مع غياب غير مبرر لبعض القوى التي اعتادت الظهور في واجهة الأحداث، وعلى رأسها ما يُعرف بـ"لجنة الاعتصام"، التي لطالما تبنت خطابًا حادًا تجاه مختلف القضايا في المحافظة. إلا أن هذا الصوت يبدو اليوم خافتًا، بل شبه غائب، رغم تفاقم الأوضاع، ما يطرح تساؤلات جدية حول أسباب هذا الصمت وتوقيته.
اللافت أن هذا التراجع في المواقف يتزامن مع وجود بعض قيادات اللجنة خارج المحافظة، ومنهم نائب رئيسها عبود هبود قمصيت، المتواجد في الرياض منذ فترة، الأمر الذي يفتح المجال أمام تأويلات متعددة حول طبيعة التحركات السياسية الجارية، وما إذا كانت هناك تفاهمات أو تحولات غير معلنة تُدار بعيدًا عن أعين الرأي العام.
وفي موازاة ذلك، تتكرر حوادث التقطعات القبلية في منطقة عيص خرد، والتي تستهدف ناقلات الوقود المخصصة لمحافظة المهرة، ما أدى إلى خلق أزمات متكررة في الكهرباء والخدمات الحيوية. هذه الممارسات لم تعد مجرد حوادث عشوائية، بل باتت تُقرأ على أنها أدوات ضغط منظمة، تسهم في إنهاك السلطة المحلية وإضعاف قدرتها على إدارة الأوضاع.
تزامن هذه الأحداث مع حالة الصمت من قبل بعض الأطراف يثير الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة العلاقة بين تلك الجهات وبعض الفاعلين على الأرض، وما إذا كانت هناك أدوار غير معلنة تُسهم في تعميق الأزمة بدلاً من احتوائها.
ومع اتساع دائرة القلق، تتزايد المخاوف من أن تتحول المهرة إلى ساحة صراع غير مباشر، تُستخدم فيها الأزمات المعيشية والأمنية كوسيلة لإعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم أجندات معينة، وهو ما يرفضه كثير من أبناء المحافظة.
في المقابل، بدأت تتصاعد أصوات اجتماعية وقبلية تطالب بمواقف أكثر حزمًا، مؤكدين أن المهرة لن تكون ساحة مفتوحة للفوضى أو التجاذبات، وأن حماية استقرارها تتطلب وضوحًا في المواقف وتحملًا حقيقيًا للمسؤولية من قبل جميع الأطراف.
ختامًا، تقف المهرة اليوم أمام اختبار حقيقي، حيث لم يعد الصمت خيارًا مقبولًا، ولم تعد المعالجات المؤقتة كافية. فإما أن تتجه الأمور نحو مصارحة ومعالجات جادة تعيد الاستقرار، أو تستمر حالة الغموض بما تحمله من تداعيات قد تزيد من تعقيد المشهد في الأيام القادمة.
