في زمن تتكالب فيه الأزمات على اليمنيين، تظل المواقف العملية معياراً حقيقياً لقياس جدية النوايا، إذ يكتسب دور الحكومة في التخفيف من المعاناة قيمة مضاعفة حين يتحول الى مشاريع ملموسة تمس حياة الناس مباشرة.
وفي هذا السياق، يعد تبني مشروع سكني في دلتا ابين خطوة مهمة تعكس دعم المملكة العربية السعودية لليمن في مجالات الأمن والإعمار والتنمية.
لا يقتصر اثر هذه المشاريع على توفير المأوى فحسب، بل يمتد ليعيد الامل والاستقرار لشريحة واسعة من المواطنين، كما أن تنفيذها في محافظات اخرى من شأنه أن يحد من نزوح الاسر نحو المدن الرئيسية، ويخفف من الضغط والكثافة السكنية، في ظل تزايد الحاجة الى حلول سكنية مستدامة.
غير أن هذه الخطوة تفتح سؤالاً مشروعاً: ماذا عن عدن؟ هذه المدينة التي تتحمل عبء العاصمة المؤقتة وتحتضن مؤسسات الدولة، وتشهد تزايداً في الكثافة السكانية نتيجة النزوح، تبدو اليوم في امس الحاجة الى مشروع سكني مماثل. ولا ينطلق هذا التساؤل من منطق المقارنة، بل من مقتضيات العدالة التنموية وضرورات الاستقرار الحضري. فعدن، التي كانت يوماً نموذجاً للتخطيط المدني، تعاني فجوة سكنية متفاقمة، خصوصاً بين الشباب الذين يواجهون صعوبة في امتلاك مساكن او العيش في وحدات تفتقر الى الحد الادنى من مقومات الحياة الكريمة.
في هذا السياق، يتجدد الامل لدى منتسبي الجمعيات السكنية عقب القرار الصادر عن محافظ عدن بتشكيل لجنة تحضيرية لانتخاب قيادة جديدة للاتحاد العام للجمعيات التعاونية السكنية، بما يعزز سيادة القانون ويحمي حقوق المواطنين واموالهم المدخرة لدى الجمعيات، ويفتح الباب امام حلول عملية لازمة اراضي الجمعيات منذ عقود.
وتعكس الأرقام بوضوح حجم أزمة السكن في عدن؛ إذ يمتلك اكثر من خمسين الف موظف، منضوين تحت عشرات الجمعيات، اراضي منذ اكثر من ثلاثة عقود دون استثمار فعلي. وهو ما يكشف خللاً ممتداً في ادارة هذا الملف لسنوات طويلة. ومع احتساب اسرهم، يتجاوز عدد المتضررين نصف مليون نسمة، ما يجعل القضية أزمة اجتماعية ممتدة لا مجرد ملف إداري.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في توفر الارض، بل في غياب البنية التحتية من كهرباء ومياه وصرف صحي وطرق، إلى جانب الخدمات الأساسية كالتعليم والملاعب والحدائق والمساحات العامة والأسواق، وهي مقومات تتطلب تدخلاً حكومياً لتغطية جزء من تكاليف التنفيذ. كما توجد امكانية تقديم منح مالية جزئية عبر صندوق حكومي، وصناديق عربية وإقليمية ودولية، إضافة الى برامج الإعمار المدعومة سعودياً، للمساهمة في تخفيف اعباء السكن على اعضاء الجمعيات.
يمكن أن يتكامل الحل عبر تحويل المخططات السكنية الى مشاريع قابلة للتنفيذ، من خلال اتفاقيات مع شركات مقاولات دولية. كما يمكن تطوير نموذج تمويلي عبر البنوك المحلية، يتولى تغطية تكاليف البناء، مع استقطاع تدريجي من رواتب اعضاء الجمعيات، بما يحقق التوازن بين القدرة على السداد وحق السكن.
في الحقيقة، تحتاج عدن الى قرار تنموي شامل يعيد الاعتبار لها كمدينة قابلة للحياة، لا يقتصر على ملف السكن، رغم أن السكن يظل اساس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وضمان كرامة الانسان. وما تزال المدينة تنتظر أن تترجم القرارات إلى واقع فعلي، لا أن تبقى وعوداً مؤجلة، لتعود مدينة نابضة بالحياة وقادرة على احتضان ابنائها.