ليست السياسة الشرعية مجرد خطاب وعظي يُستدعى عند الأزمات، ولا تنظيراً فقهياً معزولاً عن حركة المجتمع، بل هي في جوهرها فنٌّ عملي لإدارة الأمة، يتأسس على النص، ويتحرك في إطار المقاصد، ويشتبك بوعيٍ مع الواقع.
إنها ليست خياراً بين مثالية جامدة وواقعية منفلتة، بل هي المعادلة الصعبة التي توازن بينهما دون أن تُفرّط في أحدهما.
المعضلة الكبرى في الخطاب السياسي المعاصر ليست في غياب الشعارات، بل في غياب هذا التوازن.
فثمة من حوّل السياسة إلى براغماتية باردة تُبرّر كل انحراف باسم المصلحة، وثمة من جمّدها في قوالب نصية ضيقة تُقصي الواقع وتعجز عن فهم تعقيداته.
وبين هذين الطرفين تضيع الأمة، لا لأن النص قاصر، بل لأن الفهم مختل، ولا لأن الواقع مستحيل، بل لأن التعامل معه غير رشيد.
السياسة الشرعية، كما تقررها أصولها، تنطلق من أن العدل ليس نتيجة لاحقة، بل هو الغاية الحاكمة.
كل قرار، وكل إجراء، وكل اجتهاد، يُقاس بقدر اقترابه من تحقيق العدل ودفع الظلم. وهذا يقتضي بالضرورة أن تكون أداة السياسة هي الاجتهاد المنضبط، لا الاجتهاد المنفلت.
اجتهادٌ يقرأ النصوص في ضوء مقاصدها، ويفهم الواقع في ضوء سننه، ثم يُنزل الأحكام بميزان دقيق لا يُخلّ بالثوابت ولا يتجاهل المتغيرات.
وهنا تتجلى إحدى أخطر الإشكاليات: الخلط بين لثبات والجمود، وبين المرونة والتسيب.
فالثبات في السياسة الشرعية يعني حفظ الأصول والمقاصد، لا تعطيل أدوات الفهم، كما أن المرونة تعني القدرة على استيعاب المتغير، لا الانزلاق إلى تبرير كل واقع.
هذه الثنائية هي التي تمنح السياسة الشرعية قدرتها على الاستمرار، وتجعلها إطاراً صالحاً لإدارة المجتمعات في مختلف الأزمنة، لا مجرد نموذج تاريخي يُستحضر ولا يُفعل.
وعندما يغيب هذا الفهم، تتحول الدولة إلى كيان مرتبك، وقراراتها إما صلبة لا تستجيب للواقع فتفشل، أو مائعة تفقد بوصلتها فتنهار.
أما حين تُدار بمنهج السياسة الشرعية، فإن النتيجة الطبيعية هي استقامة أمر الجماعة، ليس بمعنى غياب الخلاف، بل بمعنى ضبطه، وتوجيهه، ومنع تحوله إلى صراع يُهدد كيان الأمة ومصالحها.
في السياق السياسي المعاصر، خصوصاً في البيئات المضطربة ( كاليمن)، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لهذا النموذج، كمنهج عمل يُمارس. فإدارة الأزمات، وبناء المؤسسات، وتحقيق الاستقرار، كلها تتطلب عقلًا سياسياً يجمع بين الفقه العميق والرؤية الواقعية، ويُدرك أن حماية المصالح ليست نقيضاً للالتزام الشرعي، بل هي من صميمه.
وبلغة أبسط ، فالسياسة الشرعية تعني أن نحكم بعدل، ونفكر بعقل، ونلتزم بديننا دون أن نهرب من واقعنا.
لا نُشدّد حتى نكسر الناس، ولا نُسهّل حتى نضيع القيم، بل نسير في طريق يحقق مصلحة الجميع ويحفظ كرامتهم.
فلاشة:
السياسة الشرعية ليست بين النص والواقع, بل هي الجسر الذي لا ينهض العدل إلا بهما معاً.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الخميس ٢٣ ابريل ٢٠٢٦م