آخر تحديث :الجمعة-24 أبريل 2026-12:07م

الإصلاح المالي في عدن: فجوة الأدوات وحدود التأثير

الجمعة - 24 أبريل 2026 - الساعة 10:18 ص
نايف حمود العزي

بقلم: نايف حمود العزي
- ارشيف الكاتب


مدخل


لا يُطرح الإصلاح المالي عادةً بوصفه خيارًا، بل كضرورة لفرض الانضباط على المالية العامة، وتحسين كفاءة إدارة الموارد، واستعادة التوازن بين الإيرادات والإنفاق. غير أن هذا التصور يفترض ضمنًا وجود اقتصاد يمكن للدولة أن تضبطه عبر أدواتها المالية، وأن السياسات العامة قادرة على الوصول إلى مفاصل النشاط الاقتصادي والتأثير فيه.


في حالة عدن، لا يبدو هذا الافتراض قائمًا بذات الدرجة. فالتغيرات التي يشهدها الاقتصاد لا تتشكل داخل حدوده فقط، بل عبر تدفقات خارجية، وقنوات غير رسمية، وبنية سوقية مجزأة تحدّ من قدرة الأدوات التقليدية على تحقيق أثرها الكامل.


ضمن هذا الواقع، لا يصبح السؤال: كيف نُنفّذ الإصلاح المالي؟

بل: ما الذي يمكن أن يحققه الإصلاح المالي في اقتصاد لا يخضع بالكامل لأدوات السيطرة التقليدية؟


وهو ما يجعل كثيرًا مما يُطرح تحت مسمى الإصلاح أقرب إلى إدارة للأزمة منه إلى تغيير فعلي في بنية الاقتصاد.


أولًا: ما الذي يفترضه الإصلاح المالي؟


يقوم الإصلاح المالي، في جوهره، على مجموعة من الافتراضات الأساسية:

• قدرة الدولة على حصر الإيرادات وتوحيد قنوات تحصيلها.

• التحكم في الإنفاق العام وفق أولويات محددة.

• وجود نظام مالي رسمي تمر عبره التدفقات النقدية.

• إمكانية التأثير في النشاط الاقتصادي عبر السياسات العامة.


تمثل هذه الافتراضات الأساس النظري لأي برنامج إصلاح، حيث يُفترض أن يؤدي ضبط المالية العامة إلى تحسين الاستقرار الاقتصادي وتهيئة بيئة أكثر كفاءة للنمو.


غير أن فاعلية هذه الأدوات تظل مشروطة بمدى انطباق هذه الافتراضات على الواقع.



ثانيًا: كيف يعمل الاقتصاد فعليًا؟


في المقابل، يكشف الواقع الاقتصادي في عدن عن بنية مختلفة:

• جزء معتبر من النشاط الاقتصادي يتحرك خارج القنوات الرسمية.

• تدفقات السلع ورأس المال تتحدد إلى حد كبير بعوامل خارجية.

• السوق تعمل ضمن قواعد غير موحدة نتيجة تعدد مراكز القرار.

• النظام النقدي يتسم بالازدواجية بين الرسمي والموازي.


في مثل هذه البيئة، لا يكون الاقتصاد وحدة متماسكة يمكن ضبطها من مركز واحد، بل منظومة متداخلة تتحرك عبر شبكات متعددة، لا تخضع جميعها لنفس القواعد.


وعليه، لا يعمل الاقتصاد وفق النموذج الذي تفترضه أدوات الإصلاح، بل ضمن واقع أكثر تعقيدًا وتشظيًا.


وهو ما يعني أن أدوات الإصلاح لا تواجه اقتصادًا منضبطًا يمكن التحكم فيه، بل واقعًا يتحرك خارج نطاقها في جزء كبير منه.



ثالثًا: فجوة الإصلاح—حين لا تتطابق الأدوات مع الواقع


تظهر المشكلة الأساسية هنا في الفجوة بين ما يفترضه الإصلاح وما يتيحه الواقع.


فبينما تسعى السياسات المالية إلى ضبط الإيرادات والإنفاق، تتحرك أجزاء واسعة من الاقتصاد خارج هذا الإطار. وحين تحاول الدولة تشديد الضبط داخل القنوات الرسمية، لا تختفي الأنشطة الاقتصادية، بل تعيد تموضعها داخل القنوات غير الرسمية.


نتيجة لذلك، لا يؤدي الإصلاح دائمًا إلى توسيع السيطرة، بل قد يؤدي—في بعض الحالات—إلى إعادة توزيع النشاط بعيدًا عن الإطار الرسمي.


وعلى هذا الأساس، لا يفشل الإصلاح لأنه خاطئ في ذاته، بل لأن مجال تطبيقه أضيق من المجال الذي يتحرك فيه الاقتصاد فعليًا.

أي أن المشكلة ليست في الأدوات، بل في الحيز الذي تعمل داخله.



رابعًا: ما الذي يمكن أن يحققه الإصلاح فعليًا؟


رغم هذه القيود، لا يعني ذلك أن الإصلاح المالي عديم الجدوى. بل يمكنه تحقيق مجموعة من الأهداف الواقعية:

• تحسين كفاءة إدارة الموارد داخل الإطار الرسمي

• تقليل الهدر وتعزيز الشفافية في الإنفاق العام

• توفير حد أدنى من الاستقرار المالي

• دعم القدرة التشغيلية للمؤسسات الحكومية


غير أن هذه النتائج تظل جزئية، ولا تمتد بالضرورة إلى كامل الاقتصاد، خاصة في ظل استمرار تأثير العوامل الخارجية وتوسع الاقتصاد الموازي.


لذلك، لا ينبغي تقييم الإصلاح بمعايير شاملة، بل ضمن الحيز الذي يستطيع الوصول إليه فعليًا.

بمعنى أن الإصلاح هنا لا يعيد تشكيل الاقتصاد، بل يحسن أداء الجزء الذي لا يزال تحت سيطرة الدولة.



خامسًا: نحو إعادة تعريف الإصلاح المالي


في ضوء هذه التحولات، لم يعد الإصلاح المالي مجرد عملية ضبط موازنة أو تحسين إدارة الإيرادات، بل أصبح جزءًا من تحدٍ أوسع يتعلق بكيفية إدارة اقتصاد مفتوح على الصدمات الخارجية، ومتداخل مع قنوات غير رسمية.


ضمن هذا التحول، يبرز تساؤل حول إمكانية توظيف أدوات غير تقليدية لتقليص الفجوة بين الإطار الرسمي والاقتصاد الفعلي. ومن بين هذه الأدوات، تطرح التكنولوجيا المالية (FinTech) كأحد المسارات الممكنة، ليس بوصفها بديلًا عن النظام القائم، بل كوسيلة لزيادة قدرة الدولة على رصد التدفقات النقدية وتتبعها، حتى في حال عدم مرورها عبر القنوات المصرفية التقليدية.


ففي اقتصادات تتسم بتوسع النشاط غير الرسمي، قد تتيح الحلول الرقمية—مثل أنظمة الدفع الإلكتروني أو المحافظ الرقمية—إمكانية “رؤية” حركة السيولة بدلًا من محاولة احتوائها بشكل مباشر. غير أن فاعلية هذا المسار تظل مشروطة بوجود حد أدنى من الثقة، وبنية تنظيمية قادرة على استيعاب هذه الأدوات دون أن تدفعها إلى نفس مسارات التشظي القائمة.


وعليه، لا يكون الهدف هو إعادة الاقتصاد إلى نموذج مثالي، بل: التكيف مع واقع لا يعمل وفق هذا النموذج أصلًا



خاتمة


لا تكمن حدود الإصلاح المالي في ضعف أدواته، بل في طبيعة الاقتصاد الذي يُطبّق عليه.


ففي اقتصاد تتحرك فيه التدفقات خارج القنوات الرسمية، وتتحدد فيه الكلفة خارج الحدود، لا يمكن لأي برنامج إصلاح أن يحقق أثرًا شاملاً عبر أدوات تقليدية.


وعند هذه النقطة، لا يقتصر التحدي على ضبط الأرقام، بل يمتد إلى استعادة القدرة على فهم التدفقات التي يتحرك عبرها الاقتصاد. فالإصلاح المالي لا يتعلق فقط بالموازنة، بل بقدرة الدولة على استعادة “الرؤية” تجاه حركة الموارد والسيولة داخل الاقتصاد.


وفي انتظار استعادة قدر أكبر من هذه القدرة، يظل الإصلاح التدريجي—القائم على الواقعية، والمدعوم بأدوات تقنية حديثة—المسار الأكثر قابلية للتطبيق، ليس لتحقيق السيطرة الكاملة، بل لمنع اتساع الفجوة بين الإطار الرسمي والاقتصاد الفعلي.


وهنا، لا يكون التحدي في تصميم سياسات أفضل فحسب، بل في: إعادة التفكير في معنى الإصلاح ذاته داخل اقتصاد خارج السيطرة.