مدخل
في الاقتصادات المستقرة، يُفترض أن يتحدد الحد الأدنى للمعيشة ضمن علاقة متوازنة مع مستوى الدخل، بحيث يعكس ما يستطيع الاقتصاد إنتاجه وما يستطيع الأفراد تحمّله. غير أن هذه العلاقة تنقلب في سياقات مثل اليمن، حيث لم يعد الدخل هو ما يحدد المعيشة، بل أصبحت المعيشة تُفرض بوصفها تكلفة مستقلة عن قدرة الأفراد على الدفع.
لا يعمل الاقتصاد في اليمن كوحدة واحدة متماسكة، بل كمجموعة اقتصادات جزئية تعمل تحت أنظمة نقدية ومؤسسية مختلفة، ما يجعل “تكلفة البقاء” لا تتشكل داخل سوق واحدة، بل عبر تفاعل هذه الأسواق المتباينة.
بهذا المعنى، لا تعبّر الأزمة عن انخفاض الدخول فقط، بل عن تحوّل أعمق يتمثل في اختلال العلاقة بين الدخل وتكلفة البقاء، بحيث لم يعد أحدهما قادرًا على تفسير الآخر.
ومن هنا، لا يُطرح السؤال حول انخفاض الدخول فقط، بل:
لماذا لم يعد الدخل قادرًا على تأمين الحد الأدنى من العيش؟
تظهر هذه الفجوة عند النظر إلى قدرة الدخل على تغطية سلة الغذاء، حيث تراجعت—وفق تقديرات متداولة—من مستويات كانت تغطي غالبية الاحتياجات قبل 2015 إلى نسب محدودة اليوم، في مؤشر واضح على اتساع الفجوة بين ما يُكسب وما يُنفق.
أولًا: تكلفة البقاء كمتغير مستقل
لم تعد تكلفة البقاء—بمكوناتها الأساسية من غذاء وسكن وطاقة ونقل—تتحدد داخل الاقتصاد المحلي، بل عبر سلسلة من العوامل التي تتجاوز آليات التسعير فيه. فالأسعار تُبنى على كلفة استيراد، وعلى وقود مرتفع الكلفة، وعلى سعر صرف (EX) متقلب، وازدواج جمركي واتاوات تُفرض على مداخل المحافظات، إلى جانب تسعير مشحون بالمخاطر.
تتعمق هذه الديناميكيات في ظل الانقسام النقدي، حيث لا يُقاس سعر الصرف بمعيار موحد، بل عبر أسواق متعددة، ما يؤدي إلى انتقال السلع بين المناطق بتكاليف متفاوتة تُعاد تحميلها في كل مرحلة.
وبذلك، لا تعكس هذه التكلفة مستوى الإنتاج المحلي أو متوسط الدخل، بل ترتبط ببيئة أوسع يصعب التحكم في مساراتها. وفي هذه الحالة، تتحول تكلفة البقاء من نتيجة للنشاط الاقتصادي إلى شرط يُملى عليه، بحيث لا تتكيف مع الدخل، بل تدفعه نحو الانكماش أو العجز.
ثانيًا: انفصال الدخل عن وظيفة المعايرة
حين يفقد الدخل قدرته على ملاحقة هذه التكلفة، لا يعود مؤشرًا على القدرة الشرائية، بل يصبح رقمًا يعكس حجم العجز عن تغطية الحد الأدنى.
كما يفقد وظيفته الأساسية كأداة معايرة داخل الاقتصاد، أي تحديد حدود الاستهلاك الممكن بناءً على التوازن بين القدرة على الإنفاق والعرض في السوق.
لا يتجلى هذا الانفصال في صورة انهيار مفاجئ، بل عبر تحولات تدريجية في السلوك الاقتصادي: استهلاك انتقائي، تقليص مستمر في بنود الإنفاق، وإعادة ترتيب الأولويات نحو ما يسمح بالاستمرار فقط.
وهكذا، لا يُعاد التوازن عبر تحسن فعلي في الدخل أو الأسعار، بل عبر خفض مستوى المعيشة ذاته.
ثالثًا: من اقتصاد الطلب إلى اقتصاد البقاء
في ظل هذا التحول، يتغير منطق السوق ذاته. فبدلًا من أن يُبنى على طلب مستقر مدفوع بالدخل، يصبح قائمًا على طلب مضغوط تحدده الضرورة لا القدرة.
إذ لا يمكن تفسير هذا التحول دون النظر إلى البنية السياسية للاقتصاد، حيث تُعاد تحميل التكلفة عبر تعدد مراكز القرار والجبايات بين مناطق النفوذ، فتتحول حركة السلع نفسها إلى مصدر إضافي لتضخيم الكلفة.
وبذلك، لا يكون السوق مجرد فضاء للتبادل، بل ساحة تتقاطع فيها السلطة مع التسعير.
رابعًا: كيف يستمر المجتمع؟
رغم هذا الاختلال، لا يتوقف الاقتصاد بالكامل، بل يستمر عبر آليات غير رسمية لا تنعكس في المؤشرات التقليدية.
فإلى جانب توسع الأنشطة الهامشية، يبرز “اقتصاد التكافل”، حيث تُعاد توزيع الأعباء داخل المجتمع عبر شبكات القرابة، والتحويلات غير الرسمية، ودعم المغتربين، ما يجعل استمرارية هذا النمط مرتبطة جزئيًا بعوامل خارج الاقتصاد المحلي.
هذه الآلية لا تُعيد التوازن الاقتصادي، لكنها تؤمّن حدًا أدنى من الاستمرار عبر إعادة توزيع القدرة المحدودة بدل خلق قدرة جديدة. غير أن هذا النمط يقترب من حدوده، مع مؤشرات على استنزافه وتراجع قدرته على امتصاص الصدمات.
خامسًا: كيف تتشكل فجوة البقاء؟
تتسع الفجوة لأن الدخل والتكلفة يتحركان وفق منطقين مختلفين: دخل شبه ثابت أو متآكل، مقابل تكلفة تتشكل خارجيًا وتُضخّم داخليًا عبر حلقات التسعير.
كما لا تقتصر هذه الفجوة على داخل كل منطقة، بل تمتد بين المناطق أيضًا، حيث تتباين الأسعار والدخول بشكل حاد، ما يجعل القدرة على البقاء مرتبطة بالموقع الجغرافي بقدر ارتباطها بالدخل.
وبذلك، تتشكل حلقة متداخلة تعيد إنتاج الفجوة بشكل مستمر.
سادسًا: اقتصاد الظل: المستفيد غير المعلن
في ظل هذا الاختلال، لا يقتصر الأثر على تآكل القدرة الشرائية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل فرص النشاط داخل الاقتصاد.
فكلما اتسعت الفجوة، ازداد الاعتماد على القنوات غير الرسمية، ما يعزز اقتصاد الظل.
لا ينحصر دور هذا الاقتصاد على الاستفادة من الاختلال، بل يسهم أيضًا في تعميقه عبر إعادة توجيه الموارد بعيدًا عن الإطار الرسمي، وتغذية شبكات مغلقة تعيد إنتاج مراكز القوة، ما يضعف قدرة الدولة على التنظيم.
خاتمة تحليلية
في اليمن، لم يعد الفقر وحده كافيًا لتفسير الحالة الاقتصادية. فالمشكلة تتجاوز نقص الدخل إلى تجاوز تكلفة البقاء لكل دخل ممكن، ضمن اقتصاد منقسم تتحرك فيه الأسعار دون مرجعية موحدة.
وعند هذه النقطة، لا يكون السؤال:
كيف نزيد الدخول؟
بل: كيف نعيد ربط تكلفة البقاء بالاقتصاد ذاته؟
إطار تدخل
إن إعادة التوازن لا تبدأ من الدخل وحده، بل من المسار الذي تتشكل عبره تكلفة البقاء.
فطالما ظلت هذه المسارات مرتبطة بعوامل خارجية، وبقنوات توزيع تضخّم الكلفة، وببنية مؤسسية مجزأة، فإن أي زيادة في الدخل ستتآكل قبل أن تُحدث أثرًا ملموسًا.
وعلى المستوى العملي، يمكن البدء بإجراءات مثل:
• توحيد المسارات الجمركية
• تحييد قطاع الوقود
• إنشاء منصات شفافة لمراقبة الأسعار
هذه خطوات جزئية، لكنها تعيد جزءًا من عملية التسعير إلى نطاق يمكن ضبطه.
وعليه، لا يكمن الحل في زيادة الدخول، بل في إدخال تكلفة البقاء ضمن نطاق يمكن التأثير فيه.
لأن ما يتجاوز قدرة الاقتصاد على الضبط، سيتجاوز قدرة الأفراد على التحمل.