آخر تحديث :الجمعة-24 أبريل 2026-02:56م

الكفاءات الوطنية بين التهميش والريادة

الجمعة - 24 أبريل 2026 - الساعة 11:50 ص
م. عبدالقادر خضر السميطي

بقلم: م. عبدالقادر خضر السميطي
- ارشيف الكاتب


في زمنٍ تتسابق فيه الأمم نحو الابتكار، وتستثمر في عقول أبنائها باعتبارها الثروة الحقيقية التي لا تنضب، تبرز قصص مؤلمة لكفاءاتٍ وطنية كان يمكن لها أن تُحدث فرقًا نوعيًا، لولا أنها وُوجهت بالتجاهل أو العرقلة. ومن بين هذه النماذج، يبرز اسم الدكتور المهندس ثابت سالم العزب، كأحد العقول التي تستحق الوقوف أمام تجربتها بوعيٍ وتقدير.


إن الحديث عن الدكتور العزب ليس مجرد استعراضٍ لمسيرة فرد، بل هو تسليط الضوء على قيمة العلم حين يقترن بالإبداع، وعلى الخسارة حين يُقابل هذا الإبداع بعوائق غير مبررة. لقد قدم مشروعًا علميًا متقدمًا في مجال الهندسة ومواد البناء، تمثل في إنتاج الطوب الرملي الجيري الطيني، عبر إدخال نسبة 40% من التربة الطينية بدلاً من الاعتماد الكلي على الرمل. هذا التعديل ليس بسيطًا في دلالته، بل يحمل أبعادًا اقتصادية وبيئية عميقة، إذ يسهم في تقليل استهلاك الرمال بنسبة كبيرة، من 90% إلى 50%، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة للاستدامة وتقليل كلفة الإنتاج.


والجدير بالذكر أن إضافة التربة الطينية لا تقتصر على تقليل التكلفة فحسب، بل تؤدي إلى رفع كفاءة الطوبة بشكل ملحوظ، حيث تصل إلى ثلاثة أضعاف قوة الكسر مقارنةً بالطرق التقليدية، كما تسهم في الحد من الهدر، وتقليص فترة المعالجة أو الإنتاج إلى أربع ساعات فقط بدلاً من ست إلى ثمان ساعات، فضلًا عن تعزيز خصائص العزل الحراري، وهو ما يجعل هذا الابتكار متكامل الأبعاد من حيث الجودة والكفاءة والاستدامة.

وما يزيد من أهمية هذا العمل، أن دولًا متقدمة مثل الصين سبقت في تبني مثل هذه الابتكارات، ما يؤكد أن الفكرة ليست فقط قابلة للتطبيق، بل أثبتت نجاحها عالميًا. ومع ذلك، لم يُكتب لهذا المشروع أن يرى النور في بيئته المحلية، حيث اصطدم بمعارضة داخلية حالت دون حصوله على براءة اختراع، وهو ما يمثل خسارة مزدوجة... خسارة للمبتكر، وخسارة للوطن الذي كان يمكن أن يستفيد من هذا الإنجاز.

إن العبارة الشعبية التي تقول ...

الكحل يُداس في موطنه بالأقدام، وفي أماكن أخرى يُوضع داخل العيون، تختصر واقعًا مؤلمًا تعيشه العديد من الكفاءات، حيث لا يُقدَّر العطاء في بيئته الأولى، بينما يُحتفى به في أماكن أخرى. وهذا يدعونا إلى وقفة جادة لإعادة النظر في آليات دعم الباحثين والمبدعين، وتوفير بيئة حاضنة تُشجع على الابتكار بدلًا من إعاقته.


إن الحفاظ على الكوادر الوطنية، وتشجيعها، وتقديم الدعم اللازم لها، ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة وطنية تمليها متطلبات التنمية والتقدم. فالعقول المبدعة هي حجر الأساس لأي نهضة حقيقية، وإهمالها يعني إهدار فرص لا تُعوَّض.


ختامًا، إن تجربة الدكتور المهندس ثابت سالم العزب يجب أن تكون جرس إنذار، ودعوة صريحة لكل الجهات المعنية لإعادة الاعتبار للعلم والعلماء، وفتح الأبواب أمام الأفكار الخلّاقة، لأن الأمم التي تُحسن استثمار عقولها، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها بثقة واقتدار.