آخر تحديث :الجمعة-24 أبريل 2026-02:56م

الإدارة أمانة.. تُبنى بالإنسان، لا بالسلطة

الجمعة - 24 أبريل 2026 - الساعة 12:52 م
أرسلان السقاف

بقلم: أرسلان السقاف
- ارشيف الكاتب


المستشار أرسلان السقاف


ليست كل إدارة تشبه الناس، ولا كل مدير يستحق لقب "قائد"؛ فالإدارة في جوهرها تجربة إنسانية قد تكون ملهمة أو محبطة. الجميع يتحدث عن النجاحات والإنجازات أو حتى الإخفاقات، لكن قليلاً من يلتفت إلى "البيئة" التي صُنعت فيها؛ فخلف كل نجاح إدارة احتضنت فأثمرت، وخلف كل إخفاق بيئة لم تحسن الفهم قبل أن تحاسب.


لقد صدقت المقولة حين قالت: "الموظفون لا يتركون وظائفهم، بل يتركون مديريهم"؛ فهي وصف دقيق لواقع نعيشه. فالإدارة ليست سلطة لنمارسها، بل أمانةً لنصونها؛ لا تُقاس بقسوة الرقابة أو إحكام السيطرة، بل بقدرتها على "أنسنة الإدارة" وخلق مساحة يشعر فيها الفرد بقيمته. الإدارة غير النمطية لا تبدأ من الأوامر ولا تنتهي عند الأرقام، بل تبدأ من الإنسان، وتدرك أن الفرق لا يُصنع بالضغط بل بالمساحة، ولا يُبنى بالإجبار بل بالثقة.


حين تُبنى بيئة العمل على الإنسانية، وحين يكون المدير قائداً ملهماً وداعماً يتحمل أخطاء موظفيه ويصححها برفق، تتغير التجربة بالكامل؛ فالموظف الذي يبدو عادياً يتحول إلى مبدع ومبادر بمجرد شعوره بالأمان، وبأنه مُقدر ومسموع، ومسموح له بالخطأ دون تهديد. في بيئة كهذه، تُحتوى الأخطاء بدلاً من تضخيمها، وتُنمى الأفكار بدلاً من قتلها، ويصبح التعثر خطوة نحو التعلم لا سبباً للعقاب.


هنا، تصبح بيئة العمل مساحةً مرنة، يعمل فيها الفريق بدافع داخلي لا خوف خارجي، وينجز أكثر مما يُطلب منه لأنه ينتمي حقاً. القائد الداعم في هذه التجربة هو رفيق الرحلة؛ يكبّر أصغر الإنجازات، يرى ما وراء المحاولة، ويؤمن أن الأثر الحقيقي يبدأ حين نؤمن بالإنسان قبل الأداء.

وهكذا، يتحول العمل من التزامم ثقيل إلى شغف، ومن وظيفة روتينية إلى انتماء حقيقي، ويُصنع الإنجاز دون استهلاك للإنسان.


أدرك تماماً أن هذه القناعات قد لا تتفق مع الكثير ممن يرون أن الإدارة هي أرقام ونتائج فقط، لكنها خلاصة تجربة متواضعة آمنت بها، ورأيت بعيني كيف صنعت فرقاً وأثراً جميلاً. فالإدارة حين تُبنى على الإنسان لا على السلطة، تترك أثراً على الإنسان. فالعمل ينتهي، والإنجازات قد تُطوى وتنسى، لكن تبقى التجربة نفسها ويبقى أثرنا في الإنسان.


*مدير عام مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل - عدن