آخر تحديث :الجمعة-24 أبريل 2026-06:53م

بعد هرمز هل يشتعل باب المندب ؟

الجمعة - 24 أبريل 2026 - الساعة 02:39 م
عبدالجبار سلمان

بقلم: عبدالجبار سلمان
- ارشيف الكاتب


في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، لم يعد الصراع في الشرق الأوسط محصورًا ضمن الأطر التقليدية للحروب البرية أو المواجهات المباشرة بين الدول، بل أخذ يتجه بشكل واضح نحو توظيف أدوات أكثر تعقيدًا وتأثيرًا، وفي مقدمتها السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية واستخدامها كورقة ضغط جيوسياسية واقتصادية. وفي هذا السياق، تبرز العلاقة بين ميليشيا الحوثي وإيران كأحد أهم العوامل التي تعيد تشكيل مشهد الأمن الإقليمي، خصوصًا مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر ومحيطه الحيوي. لقد عملت طهران، على مدار سنوات طويلة، على بناء منظومة نفوذ غير مباشر تعتمد على دعم وتطوير جماعات مسلحة في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط وذلك بما يعرف باسم محور المقاومة، بما يتيح لها توسيع نطاق تأثيرها دون الانخراط في مواجهات عسكرية تقليدية مكلفة. وفي هذا الإطار، تحولت ميليشيا الحوثي من فاعل محلي في اليمن إلى عنصر فاعل في معادلة إقليمية أوسع، بعد أن حصلت على قدرات عسكرية وتقنية متقدمة نسبيًا، مكنتها من تنفيذ عمليات تتجاوز حدود الصراع الداخلي لتطال أهدافًا ذات طابع دولي، وعلى رأسها الملاحة البحرية في البحر الأحمر. إن الهجمات التي شهدتها خطوط الشحن الدولية في الآونة الأخيرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا التحول الاستراتيجي، إذ تعكس انتقالًا نوعيًا في طبيعة الدور الذي تلعبه الميليشيا، من مجرد طرف في حرب أهلية إلى أداة ضغط ضمن استراتيجية إيرانية أشمل تستهدف إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. ولم يعد الهدف مقتصرًا على تحقيق مكاسب ميدانية داخل اليمن، بل امتد ليشمل التأثير في حركة التجارة العالمية ورفع كلفة الاستقرار الاقتصادي على القوى الدولية.

وفي هذا السياق، يكتسب مضيق هرمز أهمية محورية باعتباره أحد أهم شرايين نقل الطاقة في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الخليجية. وبعد إغلاق هذا المضيق و فرض حصار عليه سواء نتيجة تصعيد عسكري أو قرارات دولية لا يعني بالضرورة نهاية التوتر، بل قد يمثل بداية لتحول أكثر تعقيدًا في مسار الصراع. فإيران، التي تدرك حساسية هذا الممر وأثره المباشر على الاقتصاد العالمي، قد تجد نفسها مضطرة للبحث عن بدائل جغرافية تحقق نفس الأثر دون الدخول في مواجهة مباشرة واسعة النطاق. وهنا يبرز مضيق باب المندب كخيار استراتيجي بامتياز، نظرًا لموقعه الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويشكل بوابة رئيسية لعبور التجارة بين آسيا وأوروبا. فبينما يمثل مضيق هرمز نقطة انطلاق لإمدادات الطاقة، فإن باب المندب هو المعبر الذي تواصل من خلاله هذه الإمدادات رحلتها نحو الأسواق العالمية، ما يجعله مكملًا حيويًا في منظومة الأمن الطاقي الدولي. إن أي تهديد لهذا المضيق، سواء عبر استهداف السفن أو تعطيل حركة الملاحة، ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلًا عن التأثير على أسعار النفط والسلع الأساسية. ومن هنا، يمكن فهم التصعيد في البحر الأحمر ليس فقط كتحرك عسكري، بل كجزء من استراتيجية أوسع تستخدم الاقتصاد كساحة مواجهة بديلة. ومع تراجع الخيارات السياسية والعسكرية المباشرة أمام طهران، نتيجة الضغوط الدولية والعقوبات المتراكمة، يبدو أن التركيز بات منصبًا على تضييق الخناق على المواقع الاستراتيجية التي يمر عبرها جزء كبير من التجارة العالمية، ويمكن من خلالها إحداث تأثير غير متكافئ على خصومها. وفي هذا الإطار، يصبح باب المندب أحد أهم هذه النقاط، خاصة في ظل وجود قوة محلية مسلحة ممثلة بميليشيا الحوثي وقادرة على التحرك ضمن هذا النطاق الجغرافي. التطورات المرتبطة بالسياسات الأمريكية، لا سيما في ظل توجهات دونالد ترامب نحو تشديد الضغوط على إيران، تضيف بعدًا آخر لهذا المشهد المعقد. فالإجراءات التي قد تشمل محاصرة الموانئ الإيرانية أو اتخاذ خطوات عسكرية في محيط مضيق هرمز قد تدفع طهران إلى الرد بطرق غير تقليدية، من خلال تفعيل أدواتها الإقليمية وتحريك جبهات بديلة يصعب احتواؤها بسرعة. وفي هذا السياق، يتحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع غير مباشر، حيث تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع حسابات الفاعلين الإقليميين، وتصبح العمليات البحرية جزءًا من لعبة توازنات دقيقة تهدف إلى تحقيق أكبر قدر من التأثير بأقل تكلفة ممكنة. ولا يمكن فصل هذا التحول عن إدراك إيران أن المواجهة المباشرة قد تكون مكلفة وغير مضمونة النتائج، في حين أن الضغط عبر الاقتصاد والممرات البحرية يوفر لها هامشًا أوسع للمناورة. إن ما نشهده اليوم هو انتقال واضح من منطق السيطرة على الأرض إلى منطق التحكم في التدفقات كتدفقات النفط، والتجارة، والطاقة وهو تحول يعكس طبيعة الصراعات في العصر الحديث، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على التأثير في بنية الاقتصاد العالمي. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن إيران، بعد تآكل العديد من أوراقها التقليدية، تراهن على هذه الورقة الأخيرة لإبقاء نفسها لاعبًا لا يمكن تجاهله في أي معادلة إقليمية أو دولية. إن الأنظار تتجه بشكل متزايد نحو مضيق باب المندب باعتباره مرشحًا قويًا ليكون المسرح القادم للتصعيد، خاصة إذا ما استمرت الضغوط على إيران وتصاعدت المواجهة مع القوى الدولية. فالجغرافيا، والواقع اليمني، وطبيعة التوازنات الإقليمية، كلها عوامل تجعل من هذا المضيق نقطة ارتكاز لأي تحرك مستقبلي، سواء كان بهدف الردع أو التصعيد. في المحصلة، لم تعد المعركة في الشرق الأوسط مجرد صراع على النفوذ السياسي أو السيطرة العسكرية، بل تحولت إلى مواجهة متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية، حيث تلعب الأطراف المختلفة أوراقها ضمن معادلة معقدة ومفتوحة على احتمالات متعددة. وفي قلب هذه المعادلة، يقف باب المندب كأحد أهم مفاتيح المرحلة القادمة، ليس فقط كمعبر مائي، بل كساحة اختبار حقيقية لقدرة العالم على حماية شرايينه الحيوية في وجه تصاعد التوترات.