آخر تحديث :السبت-25 أبريل 2026-08:54ص

أول الطريق دولة واحدة وسلاح واحد

السبت - 25 أبريل 2026 - الساعة 12:07 ص
محمد بدر

بقلم: محمد بدر
- ارشيف الكاتب


اليمن بحاجة إلى القضاء على مليشيات الحوثي وتعزيز دولتها، لا منافستها. بحاجة إلى توحيد الصف، لا تفتيته. فالمستقبل لا يُبنى على الانقسام، بل على دولة تحمي الجميع وتستوعب الجميع.


في خضم الصراعات والشعارات، ننسى أحياناً بديهية بسيطة: لا يمكن لمجتمع أن ينهض إذا كان كل مكون فيه يبني "دولته المصغرة" داخل الدولة الأم. ولا يمكن لوطن أن يستقر إذا كان السلاح موزعاً على الطاولات، والقرار السيادي يُدار من غرف متعددة، والولاء مشت بين العاصمة والعواصم الأخرى.


ولنكن صريحين: لا يمكن الحديث عن مستقبل ولا عن دولة ولا عن استقرار ومليشيا مسلحة تختطف القرار السيادي، وتصادر المؤسسات، وترهن البلد لأجندة خارجية. الحوثي ليس حزباً سياسياً نختلف معه، بل مشروع مليشياوي نقيض لفكرة الدولة من الأساس.


*لماذا القضاء على المليشيات شرط لبناء الدولة؟*


1. *لا دولتان في وطن واحد*: الدولة تعني احتكار القوة والقرار والسلاح. وحين توجد مليشيا تملك جيشاً واقتصاداً وإعلاماً موازياً، فهي تلقائياً تلغي الدولة. التعايش مع المليشيا يعني إلغاء الجمهورية.

2. *المليشيا لا تؤمن بالشراكة*: مشروع الحوثي يقوم على الاستعلاء والحق الإلهي. لا يعترف بالمواطنة المتساوية ولا بالتداول السلمي. فكيف نبني دولة تستوعب الجميع مع جماعة ترفض أصلاً فكرة "الجميع"؟

3. *المليشيا بوابة الفوضى*: وجود نموذج المليشيا الناجح يشجع كل طرف على بناء مليشياته الخاصة. والنتيجة دويلات داخل الدولة، وحروب لا تنتهي. والقضاء عليها هو قطع الطريق أمام كل مشاريع التمرد القادمة.


*لكن القضاء على المليشيا وحده لا يكفي. لا بد من تعزيز الدولة، لا منافستها.*


الخطأ الذي نقع فيه دائماً هو أننا نحارب مليشيا بمليشيا، ونواجه مشروعاً موازياً بمشروع موازٍ آخر. وهكذا نستبدل فوضى بفوضى. الطريق الصحيح هو أن نوحد كل البنادق تحت راية الجيش الوطني، وكل القرارات تحت سقف الحكومة الشرعية، وكل الإيرادات في خزينة الدولة.


لابد من تعزيز الدولة لماذا ؟


1. *الدولة هي العقد الاجتماعي*: حين تضعف الدولة يصبح العقد بين المواطن والسلطة لاغياً. ويحل محله عقد آخر قوامه القوة والخوف والمصلحة. وفي هذا العقد الجديد، الخاسر دائماً هو المواطن البسيط.

2. *الدولة هي الحياد*: المكون أو الحزب أو الجماعة منحاز بطبعه. يدافع عن أتباعه أولاً. أما الدولة، حين تكون عادلة، فهي المظلة التي تقف على مسافة واحدة من الجميع. منافسة الدولة تعني استبدال الحياد بالانحياز.

3. *الدولة هي الاستمرارية*: الأشخاص يرحلون، والمكونات تصعد وتهبط، والتحالفات تتغير. الشيء الوحيد القادر على البقاء هو مؤسسات الدولة. فإذا هدمتها اليوم لأنها ضعيفة، فعلى أي أساس ستبني غداً؟


*توحيد الصف لا يعني إلغاء الخلاف*:

الخلاف السياسي صحي، والتعددية ثراء. لكن الخلاف يجب أن يكون تحت سقف الدولة، لا على أنقاضها. نختلف على البرامج والسياسات، لكننا نتفق على أن المرجعية هي الدستور، والأداة هي المؤسسات، والسلاح بيد الجيش والأمن فقط.


*أما تفتيت الصف، فنتائجه نعرفها جميعاً*:

اقتصاد منهار لأن لا أحد يثق ببيئة تتحكم فيها سلطات متعددة. تعليم مدمر لأن كل جهة تريد فرض مناهجها. خدمات غائبة لأن الإيرادات تُجبى لصالح الكيانات لا لصالح الخزينة العامة. ومواطن تائه لا يعرف لمن يشتكي وإلى من يحتكم.


*المستقبل لا يُبنى على الانقسام لأنه ببساطة مشروع فاشل بالتاريخ والتجربة*.

كل الدول التي نهضت بعد الحروب فعلت ذلك عندما قررت أن تدفن مشاريعها الصغيرة وتتوحد خلف مشروع وطني جامع. كل الدول التي بقيت ممزقة هي التي ظن كل طرف فيها أنه يستطيع أن يكون دولة لوحده.


إن دولة تحمي الجميع هي دولة تحتكر القوة لتوزع الأمن. ودولة تستوعب الجميع هي دولة تؤمن أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، لا الانتماء الحزبي أو المناطقي أو المذهبي.


الطريق صعب، لكنه واضح: نقضي على مليشيات الحوثي، نقوي مؤسسات الدولة، نمنع ازدواج السلاح والقرار، نعيد الاعتبار للقانون، ونفتح أبواب المشاركة للجميع من داخل الدولة لا من خارجها أو على حسابها.


فاليمن لن يحميه إلا أبناؤه، ولن يجمعه إلا دولته. وما عدا ذلك وهم كبير ندفع ثمنه كل يوم.