آخر تحديث :السبت-30 مايو 2026-05:52م

الدكتور الشاعر… سيرةُ ضوءٍ أطفأها ظلامُ الإرهاب ،،،

السبت - 25 أبريل 2026 - الساعة 07:29 م
د. سعيد سالم الحرباجي


ليست كلُّ المدن تُثقِلها الجراح...

لكن بعض المدن — كعدن — تُجبر على أن تحفظ في ذاكرتها ما لا يُحتمل:

فواجع تتكرّر، ووجوهٌ تُغتال، وأحلامٌ تُطفأ قبل أن تكتمل.


هناك...

هناك حيث يُفترض أن تُزهر الحياة على ضفاف البحر... يتوارى الفرح خجِلًا، ويغدو الأمل مشروعًا مؤجلًا، كأنما هذه المدينة قد كُتب عليها أن تختبر وجعها مرارًا، وأن تدفع — في كل مرة — ثمنًا جديدًا من أبنائها.


ففي صباحٍ كان ينبغي أن يكون صفحةً بيضاء من البهجة، صباحٍ مفعمٍ بالأمل، تتزيّن ساعاته بضحكات الطلبة وتفوقهم...

خرج الدكتور عبدالرحمن الشاعر من منزله متجهًا إلى صرحه العلمي، حاملًا معه ذلك الشغف القديم الذي لا يخبو:

أن يرى ثمرة جهده تتجسّد في عيون طلابه..

لكن الطريق، الذي كان يُفترض أن يقوده إلى لحظة احتفاء... قادته يد الغدر إلى مصيرٍ آخر.


هناك على جنبات الانتظار...

كانت خفافيش الظلام تُعدّ مشهدها الأخير، وتترصّد لحظة اغتيال الفرح!!!


لا فرح رجلٍ واحد...

بل فرح جيلٍ كامل كان ينتظر معلّمه وملهمه،بقلوبٍ تتقد شوقًا، وعيونٍ تتطلع إلى بداية الحلم.


رحيلُ الدكتور عبدالرحمن الشاعر لم يكن حدثًا عابرًا في سجلّ مدينة... بل كان شرخًا إنسانيًا عميقًا في ذاكرتها.

تلك المدينة التي تعبت من حمل جراحها بصمت.


لم يُغتل رجلٌ فحسب، بل اغتيلت فكرة...

فكرة أن التعليم يمكن أن يكون طوق نجاة، وأن الإنسان قادر على الانتصار على الفوضى بالمعرفة، وعلى الخراب بالأمل.


كان الشاعر واحدًا من أولئك الذين لا يكتفون بوصف الواقع، بل يسعون إلى تغييره...

اختار التعليم الأهلي طريقًا، لا لأنه الأسهل... بل لأنه الأعمق أثرًا والأبقى

حضورًا.


آمن بأن بناء العقول هو السبيل الوحيد لبناء مدينةٍ قادرة على النهوض من جديد.


لم يكن مشروعه مجرد مؤسسات تعليمية....

بل رؤية تُعيد للإنسان كرامته عبر العلم، وتفتح للأجيال أبواب الخلاص من دوائر العنف والضياع..


لكن مدينة عدن التي عُرفت يومًا بأنها مدينة النور والتعدد والانفتاح،تقف اليوم على مفترق طرقٍ حاد.

فاغتيال قامة تعليمية بحجم الشاعر يطرح سؤالًا موجعًا:

أيُّ مستقبلٍ ينتظر مدينةً تُستهدف فيها العقول قبل أن تُستهدف البُنى؟ وأيُّ أفقٍ يُرجى، إذا صار المربّون في مرمى الخطر، وأصبحت المعرفة مشروعًا مهددًا؟


إن انعكاسات هذه الجريمة لا تتوقف عند حدود الفاجعة الإنسانية، بل تمتد إلى عمق بنية المجتمع.

فحين يُغتال المعلّم، يُزرع الخوف في نفوس كل حامل رسالة، وحين يتراجع الإحساس بالأمان، تتقلص المبادرات، وتذبل المشاريع، ويُؤجَّل حلم التنمية إلى أجلٍ مجهول؟؟!!!


وهكذا، لا نفقد شخصًا فحسب...

بل نفقد منظومةً من القيم: الإصرار، والإيمان، والعمل الصامت الذي يبني ولا يضج.


ومع ذلك فإن المأساة — على قسوتها —تضع المجتمع أمام مسؤولية أخلاقية لا تقبل التأجيل:

إما أن تكون لحظة انكسار، أو لحظة وعي تعيد ترتيب الأولويات.

فحماية التعليم ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية، وصون رموزه هو صونٌ لمستقبل المدينة بأسرها.


لقد رحل الشاعر…

لكن الأثر الذي تركه لا يزال حيًّا، قابلًا لأن يُستعاد ويُبنى عليه.

فالمشاريع العظيمة لا تموت برحيل أصحابها،

بل تُختبر في قدرتها على البقاء في وجدان الناس.

ويبقى السؤال:

هل تكتفي عدن بالحزن؟

أم تحوّل هذا الحزن إلى فعل؟

هل يستمر الصمت…

أم يتحول الألم إلى صوتٍ يطالب بالأمان والعدالة وصون الحياة؟

في نهاية المطاف...

لا يُقاس مستقبل المدن بعدد المباني التي تُشيَّد...

بل بعدد العقول التي تُحمى وتُرعى.

وعدن — إن أرادت أن تستعيد ملامحها الجميلة —

عليها أن تحمي أولئك الذين يزرعون فيها الضوء.

فالتعليم… ليس مجرد مهنة، بل هو آخر ما تبقى للمدن كي تنجو.