في اليمن، لا تأتي الأخبار منفصلة عن بعضها. حادث أمني في عدن، وتسريب سياسي من واشنطن، وتصريح من خصم محلي، ومقال في مركز أبحاث أمريكي؛ كلها تبدو متباعدة للوهلة الأولى، لكنها، في اليمن، كثيرًا ما تنتمي إلى القصة نفسها: دولة ضعيفة، وقوى متداخلة، وتحالفات لا تعرف متى تبدأ ولا متى تنتهي.
خلال الأيام الماضية، عاد حزب التجمع اليمني للإصلاح إلى واجهة الجدل، لا بوصفه حزبًا مشاركًا في الحكومة الشرعية فحسب، بل بوصفه ملفًا محتملًا على طاولة التصنيف الأمريكي. وحتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي من وزارة الخارجية الأمريكية أو وزارة الخزانة بتصنيف الحزب منظمة إرهابية. هذه نقطة أساسية؛ فما هو مطروح في المجال العام يستند إلى تسريبات وتقارير صحفية وتصريحات غير مباشرة، بعضها يتحدث عن استفسارات أمريكية بشأن كيانات اقتصادية وخيرية واجتماعية قيل إنها مرتبطة بالحزب.
لذلك، فالمؤكد حتى الآن أن هناك نقاشًا سياسيًا وإعلاميًا حول مستقبل الإصلاح. أما التصنيف نفسه، وتوقيته، وشكله القانوني، فهي أمور غير مؤكدة، ما لم تصدر في وثيقة أمريكية رسمية.
لكن غياب القرار لا يعني غياب الدلالة. فمجرد انتقال حزب يمني كبير، شارك في السلطة والحرب والسياسة، من خانة الحليف أو الشريك في دعم الاستقرار إلى خانة «الملف الأمني المحتمل»، يعكس تحولًا يستحق التوقف عنده.
حزب الإصلاح ليس كيانًا بسيطًا يمكن اختصاره في توصيف واحد. هو ليس مجرد فرع تنظيمي للإخوان، وليس، في الوقت نفسه، حزبًا مدنيًا خالصًا بلا امتدادات فكرية وتنظيمية. فمنذ ولادته عام 1990، كان خليطًا يمنيًا شديد الخصوصية: قبيلة، ودين، وسياسة، وجزءًا من شبكة السلطة التي حكمت اليمن لعقود. وفي هذا الخليط تكمن قوته السابقة وأزمته الحالية.
لقد استفاد الإصلاح من مرحلة كان فيها الإسلام السياسي جزءًا من هندسة التوازنات الداخلية في اليمن. استُخدم في مواجهة اليسار، وفي ضبط المجال الديني، وفي إنتاج توازنات قبلية وسياسية. لكنه، مع تغير الإقليم، وصعود الحساسية الدولية والإقليمية تجاه الإسلام السياسي، وجد نفسه مطالبًا بإثبات ما لم يكن مضطرًا إلى إثباته سابقًا: هل هو حزب يمني مستقل، أم امتداد لجماعة عابرة للحدود؟
أعلن الحزب، أكثر من مرة، فك ارتباطه بالتنظيم الدولي للإخوان. غير أن هذه الإعلانات لم تُنهِ الشكوك حوله، ربما لأنها جاءت غالبًا تحت ضغط سياسي وإقليمي، لا ضمن مراجعة فكرية وتنظيمية واضحة ومقنعة. وفي السياسة، لا يكفي أن تقول إنك تغيرت؛ يجب أن تقدم بنية جديدة تثبت ذلك.
لكن، في المقابل، لا يمكن التعامل مع الإصلاح وكأنه ملف أمني فقط. فالحزب جزء من الحكومة الشرعية، وله حضور اجتماعي وسياسي وعسكري في مناطق حساسة، خصوصًا في مأرب وتعز. وقد قاتل الحوثيين منذ سنوات، ودفع ثمنًا بشريًا وسياسيًا في هذه المواجهة، إلى جانب جهود التحالف الداعمة للشرعية. هذه الحقيقة لا تلغي إشكالاته، لكنها تمنع، أيضًا، التعامل معه بمنطق القطع السريع.
أي تصنيف أمريكي محتمل، إذا حدث، لن يكون تفصيلًا قانونيًا عابرًا. فتصنيف حزب بهذا الحجم سيؤثر في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وفي شبكة واسعة من المؤسسات والأفراد والكيانات المرتبطة به أو القريبة منه. وسيطرح أسئلة صعبة أمام العواصم الداعمة للشرعية اليمنية: كيف يمكن دعم حكومة تضم في بنيتها، أو في تحالفاتها، حزبًا مصنفًا؟ وكيف يمكن التمييز بين الحزب كتنظيم سياسي، وأنصاره كجمهور اجتماعي، وقياداته المتهمة أو المشمولة بأي ملف قانوني؟
هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد: هل يستحق الإصلاح العقوبة أم لا؟
السؤال الأهم: ماذا بعد التصنيف؟
في اليمن، لا يعني تفكيك قوة قائمة بالضرورة بناء بديل أفضل. التجارب كثيرة؛ فكل فراغ أمني أو سياسي تُرك بلا إدارة، دخلت منه قوة أكثر تشددًا أو أكثر فوضوية. وإذا أضعف التصنيف الإصلاح في مأرب وتعز، من دون وجود بنية دولة قادرة على ملء الفراغ، فقد تكون النتيجة عكسية: استفادة الحوثيين، أو عودة نشاط القاعدة، أو مزيد من التشظي داخل معسكر الشرعية، وهو ما لا يخدم أهداف التحالف في استقرار اليمن.
وهذا لا يعني الدفاع عن الإصلاح أو تبرئة تاريخه. فللحزب أسئلة ثقيلة لا يستطيع تجاوزها بالبيانات: علاقته القديمة بالإخوان، وموقع رموزه في شبكات الإسلام السياسي العابرة للحدود، وطبيعة حضوره العسكري، وموقفه من لحظات مفصلية، مثل سقوط صنعاء عام 2014. هذه كلها ملفات تحتاج إلى مراجعة صريحة، لا إلى لغة إنشائية.
لكن التصنيف، إذا أُريد له أن يكون أداة قانونية فعالة، يجب أن يستند إلى أدلة واضحة، لا إلى حسابات ظرفية. فالفرق كبير بين مكافحة الإرهاب واستخدام تهمة الإرهاب لإعادة ترتيب التوازنات السياسية؛ فالمسار الأول يحمي الدولة، والمسار الثاني قد يزيدها ضعفًا.
ما يضاعف حساسية اللحظة أن الإصلاح لم يعد بالقوة التي كان عليها قبل سنوات. حضوره الإقليمي تراجع، ومساحته الجغرافية ضاقت، وعلاقاته مع أطراف كثيرة في الشرعية والإقليم دخلت مرحلة انعدام ثقة. ولهذا تبدو لحظة طرح التصنيف لافتة: هل جاء الملف استنادًا إلى معطيات قانونية مستجدة؟ أم أنه ورقة ضغط يرتبط توقيتها بضعف الحزب وتراجع قدرته على المناورة؟
لا توجد إجابة مؤكدة حتى الآن.
المؤكد أن اليمن لا يحتاج إلى قرارات تزيد خريطته تعقيدًا. والمؤكد، أيضًا، أن الإصلاح يحتاج إلى مراجعة أعمق من بيانات فك الارتباط. كما أن خصومه يحتاجون إلى تصور أوضح لما بعد إضعافه. أما واشنطن، فإن كانت تدرس هذا الخيار فعلًا، فعليها أن تسأل لا عن أثر القرار في الحزب وحده، بل عن أثره في جبهة مواجهة الحوثيين، وحكومة الشرعية، وتوازن هش تقف عليه آمال الاستقرار، وتدعمه المملكة العربية السعودية وشركاؤها في التحالف.
في النهاية، ليست مشكلة اليمن أن حزبًا مثل الإصلاح بلا أخطاء؛ فأخطاؤه كثيرة، وتاريخه ملتبس، وتحولاته غير مكتملة. المشكلة أن التعامل مع هذه الأخطاء بمنطق التصنيف وحده قد يحوّل أزمة سياسية إلى فراغ أمني.
ولذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان الإصلاح فوق المساءلة؛ فلا أحد فوقها. السؤال هو: هل يؤدي تصنيفه، إن حدث، إلى تقليص الخطر، أم إلى فتح باب جديد للفوضى؟
في اليمن، إسقاط قوة قديمة لا يصنع دولة جديدة بالضرورة. أحيانًا لا يصنع إلا مساحة إضافية لقوة أسوأ.