آخر تحديث :الأحد-26 أبريل 2026-02:55م

كيف تُصنع أسعار الغذاء في عدن: البنية الخفية وراء الغلاء

الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 10:50 ص
نايف حمود العزي

بقلم: نايف حمود العزي
- ارشيف الكاتب


مدخل


لا تُطرح مسألة أسعار الغذاء عادةً بوصفها إشكالية بنيوية، بل كمسألة مرتبطة بارتفاع التكاليف، أو تقلبات سعر الصرف (EX)، أو اختلالات العرض. ويفترض هذا التصور ضمنًا أن الأسعار تتحدد داخل سوق تعمل وفق منطق يمكن تتبعه، حيث تنتقل الزيادات من المصدر إلى المستهلك عبر قنوات واضحة، ضمن إطار يجمع بين التكلفة وهوامش الربح.


غير أن هذا التصور يفترض وجود سوق منظمة نسبيًا، تتحدد فيها الأسعار عبر تفاعل شفاف بين الفاعلين، وتخضع لمرجعيات يمكن القياس عليها.


في حالة عدن، لا يبدو هذا الافتراض قائمًا بذات الدرجة. فأسعار الغذاء لا تتشكل فقط داخل إطار التكلفة، بل عبر شبكة معقدة من العلاقات بين المستوردين، وتجار الجملة، وشبكات التوزيع، وآليات التمويل، في بيئة تتداخل فيها التوقعات مع المخاطر، وتضعف فيها حدود السوق المنظمة.


وبذلك، يصبح تفسير الغلاء انطلاقًا من التكلفة وحدها تفسيرًا غير كافٍ لفهم ما يحدث داخل السوق.


ضمن هذا الواقع، لا يصبح السؤال: لماذا ترتفع أسعار الغذاء؟


بل: كيف تتكوّن هذه الأسعار داخل هذه البنية، وكيف تتحول من تكلفة إلى سعر في سوق لا تعمل وفق قواعد واضحة؟


وهو ما يجعل كثيرًا من التفسيرات التقليدية للغلاء أقرب إلى توصيف جزئي للظاهرة، منها إلى فهم الآلية التي تُنتجها فعليًا.




أولًا: من التكلفة إلى السعر: فجوة التسعير الخفية


في السياق النظري، يُفترض أن السعر النهائي يعكس مجموع التكاليف التي تتراكم عبر سلسلة الإمداد. غير أن هذه العلاقة في عدن لا تعمل بخطية واضحة، إذ لا تنتقل التكاليف بشكل مباشر إلى السعر، بل يعاد تشكيلها داخل السوق.


فالتجار لا يسعّرون فقط وفق التكلفة الحالية، بل وفق توقعاتهم لمسار سعر الصرف، ويضيفون هوامش احترازية تحسبًا للتقلبات، كما تختلف تقديرات التكلفة نفسها بين الفاعلين. ونتيجة لذلك، يصبح السعر النهائي خليطًا من التكلفة الفعلية والتوقعات والمخاطر، ما يخلق فجوة غير مرئية بين ما تدفعه السوق وما يفترض أن تعكسه التكاليف.




ثانيًا: التسعير عبر الشبكة لا عبر السوق


لا تُحدد أسعار الغذاء في عدن داخل سوق تنافسية مكتملة، بل داخل شبكة مترابطة من الفاعلين، تتداخل فيها أدوار المستوردين وتجار الجملة والموزعين وتجار التجزئة.


هذه الشبكة لا تعمل دائمًا وفق منطق المنافسة الحرة، بل وفق علاقات اعتماد متبادل وتفاهمات ضمنية تحدد مسارات التوزيع وهوامش الربح. وفي مثل هذه البيئة، لا يكون السعر نتيجة تفاعل حر بين العرض والطلب، بل نتيجة تنسيق غير مباشر داخل هذه الشبكة، ما يمنحها قدرة على التأثير في مستويات الأسعار واستقرارها.




ثالثًا: التمويل غير الرسمي كعبء إضافي


في ظل ضعف النظام المصرفي، لا يحصل الفاعلون في السوق على تمويل مستقر ومنخفض التكلفة، بل يعتمدون على مصادر تمويل غير رسمية أو على رأس مال محدود، ما يرفع تكلفة النشاط الاقتصادي نفسه.


هذه التكلفة لا تظهر بشكل مباشر في البيانات، لكنها تنعكس في الأسعار عبر رفع هوامش الربح لتعويض المخاطر المرتبطة بالتمويل. وهكذا، لا يعكس السعر تكلفة السلعة فقط، بل أيضًا تكلفة الوصول إلى رأس المال، وهو عامل خفي لكنه مؤثر في بنية التسعير.




رابعًا: سعر الصرف كمحرّك للغلاء لا كمفسّر له


يرتبط سعر الغذاء في عدن بسعر الصرف، لكن العلاقة بينهما لا تتبع نمطًا مباشرًا. فبدلًا من انتقال التغير في سعر الصرف إلى الأسعار بشكل متدرج، يتم التسعير غالبًا على أساس أسوأ التوقعات، حيث تُرفع الأسعار سريعًا مع أي تذبذب، بينما لا تنخفض بنفس الوتيرة عند تحسن العملة، بما يسمى اقتصاديًا (جمود الأسعار نحو الأسفل).


بهذا المعنى، لا يكون سعر الصرف مجرد عامل تكلفة، بل يتحول إلى أداة لإعادة التسعير المستمر، ما يضخم أثره داخل السوق ويجعله محركًا رئيسيًا لتقلبات الأسعار.




خامسًا: غياب مرجعية التسعير


في الأسواق المستقرة، توجد مرجعيات تضبط الأسعار، سواء عبر المنافسة أو الرقابة أو الشفافية. أما في عدن، فإن هذه المرجعيات ضعيفة، ما يؤدي إلى تفاوت واضح في أسعار نفس السلعة بين نقطة بيع وأخرى.


هذا التفاوت لا يعكس فقط اختلاف التكاليف، بل يعكس غياب معيار موحد يمكن للسوق أن تستند إليه. ونتيجة لذلك، لا يوجد سعر واحد يعبر عن السوق، بل مجموعة من الأسعار التي تتعايش داخل نفس البيئة الاقتصادية.




سادسًا: المستهلك كحلقة نهائية بلا قوة تفاوض


في نهاية هذه السلسلة، يقف المستهلك في موقع لا يسمح له بالتأثير في الأسعار. فالغذاء سلعة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، والخيارات المتاحة محدودة، والمعلومات حول آليات التسعير غير مكتملة.


في هذا السياق، لا يشارك المستهلك في تشكيل السعر، بل يتلقاه كما هو. ويصبح بذلك “مستقبِلًا للأسعار” (Price Taker)، مجبرًا على إعادة ترتيب استهلاكه وفق ما تفرضه السوق، لا وفق ما يختاره. ومع استمرار هذه الديناميكية، تتحول عملية الاستهلاك من تعبير عن التفضيلات إلى استجابة لحدود القدرة على البقاء.




سابعًا: لماذا لا تنجح التسعيرة الجبرية؟


عندما تُواجه هذه الظاهرة بتدخل إداري مباشر عبر التسعيرة الجبرية، فإن هذا التدخل ينطلق من افتراض أن المشكلة تكمن في مستوى السعر نفسه، لا في الآلية التي تُنتجه.


غير أن تثبيت السعر في بيئة معقدة كهذه لا يؤدي إلى ضبط السوق، بل إلى إعادة تشكيلها خارج الإطار الرسمي. فبعض التجار قد ينسحب من البيع عند الأسعار المحددة، بينما تنتقل السلع إلى قنوات غير رسمية بأسعار أعلى، أو يتم التعويض عبر خفض الجودة أو الكمية، كما تتزايد دوافع التخزين والمضاربة.


وبذلك، لا تُلغى عملية التسعير، بل تنتقل إلى فضاء أقل شفافية، ما يجعل أثر التدخل محدودًا أو عكسيًا.




خاتمة: السعر كنتيجة لبنية… لا لتكلفة


لا يمكن فهم أسعار الغذاء في عدن بوصفها انعكاسًا مباشرًا للتكاليف، بل كنتيجة لبنية اقتصادية تتداخل فيها الشبكات والتمويل والتوقعات وضعف المنافسة.


وفي هذا السياق، لا تكفي الأدوات التي تستهدف السعر مباشرة لمعالجة المشكلة، لأنها تتعامل مع النتيجة لا مع الآلية التي تُنتجها. فالمسألة لا تتعلق فقط بارتفاع التكلفة، بل بكيفية تحويل هذه التكلفة إلى سعر داخل سوق تفتقر إلى مرجعية واضحة.


ومن هنا، فإن أي معالجة حقيقية لا بد أن تنطلق من إعادة تشكيل هذه البنية، بما يقلل من تركّز السوق، ويوسّع دائرة الفاعلين، ويعزز شروط المنافسة، بحيث يصبح السعر انعكاسًا أقرب للتكلفة، لا نتيجة لشبكة تتحكم في مساراته؛ بما في ذلك كسر احتكار الاستيراد، ودعم سلاسل التوريد الموازية للقطاع الخاص الصغير، وتعزيز الشفافية الرقمية في المنافذ.