في اليمن، لا تُقاس الزراعة بالتقويم فقط، بل تُقرأ من ملامح السماء، ومن حركة السحب، ومن رائحة الأرض حين تستقبل أولى قطرات المطر. فالمواسم الزراعية هنا ليست مجرد تواريخ، بل منظومة طبيعية متكاملة تتحكم فيها الجغرافيا والمناخ، وتحددها خبرة المزارع المتوارثة عبر الأجيال.
تبدأ مواسم الزراعة في اليمن عادة مع موسمي الأمطار الرئيسيين؛ حيث ينطلق الموسم الربيعي من شهر مارس حتى مايو، لتبدأ معه عمليات الزراعة، ويعقبه الحصاد خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس. ثم يأتي الموسم الصيفي أو الخريفي الذي يبدأ من يوليو إلى سبتمبر، ويكون الحصاد فيه من أكتوبر إلى ديسمبر. غير أن هذه المواعيد تظل مرنة، تتغير بتغير الأمطار والظروف المناخية.
وتتباين هذه المواسم من منطقة إلى أخرى داخل اليمن، فالتنوع الجغرافي بين المرتفعات الجبلية، والسهول الساحلية، والمناطق الصحراوية، يخلق فروقات واضحة في مواعيد الزراعة والحصاد. ويعود هذا الاختلاف إلى عدة عوامل رئيسية، في مقدمتها كمية الأمطار وتوقيتها، ودرجات الحرارة، والارتفاع عن سطح البحر، إضافة إلى طبيعة التربة وتوفر مصادر المياه.
ويُعد الارتفاع عن سطح البحر من أبرز العوامل المؤثرة؛ فكلما ارتفعت المنطقة انخفضت درجات الحرارة، مما يؤدي إلى تأخر مواعيد الزراعة والحصاد، حيث تحتاج النباتات إلى وقت أطول للنمو. وعلى العكس من ذلك، تتميز المناطق المنخفضة والساحلية بارتفاع درجات الحرارة، مما يسرّع من نمو المحاصيل ويتيح في كثير من الأحيان زراعة أكثر من موسم في العام الواحد.
وتلعب الأمطار الدور الحاسم في تحديد بداية الموسم الزراعي، إذ تعتمد معظم الزراعة في اليمن على مياه الأمطار. فبداية هطولها تعني بداية الزراعة، في حين أن تأخرها يؤدي إلى تأخر الموسم أو تقليصه. كما تؤثر درجات الحرارة بشكل مباشر على سرعة نمو النباتات، حيث تسرّع الحرارة المرتفعة من دورة النمو، بينما تؤدي البرودة إلى إبطائها.
ويظهر الفرق جليًا بين الزراعة في المرتفعات والمناطق الساحلية؛ ففي المرتفعات يسود مناخ معتدل يميل إلى البرودة، وتكون المحاصيل غالبًا من الحبوب والبن، مع موسم زراعي أطول نسبيًا. أما في السواحل والمناطق المنخفضة، فتسود الحرارة العالية، وتتنوع المحاصيل بين الذرة والسمسم والخضروات، مع إمكانية تكرار الزراعة أكثر من مرة خلال العام.
وتتجلى هذه الفروقات بوضوح عند النظر إلى محافظتي لحج وأبين، اللتين تمثلان نموذجًا حيًا لتنوع المواسم الزراعية في اليمن. ففي أبين، وخاصة في دلتا أبين، يبدأ المزارعون الزراعة مبكرًا مع أولى أمطار الربيع، حيث تُزرع محاصيل الذرة والدخن والخضروات، إضافة إلى القطن الذي يُعد من أبرز المحاصيل الزراعية في دلتا أبين. كما يستفيد المزارعون من خصوبة التربة وتوفر المياه، مما يتيح لهم زراعة أكثر من دورة محصولية خلال العام، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على الري.
أما في لحج، وبالأخص في دلتا تبن، فتسود ظروف مناخية دافئة تساعد على زراعة الحبوب والخضروات على مدار مواسم متعددة، مع إمكانية تكرار الزراعة خلال العام. غير أن بعض المناطق المرتفعة نسبيًا داخل المحافظة قد تشهد تأخرًا بسيطًا في مواعيد الزراعة مقارنة بالمناطق الساحلية، نتيجة انخفاض درجات الحرارة نسبيًا.
وتُبرز التجربة الزراعية في لحج وأبين أهمية توفر المياه واعتدال المناخ في دعم الإنتاج الزراعي، كما تؤكد ضرورة الاستثمار في تقنيات الري وتطوير البنية الزراعية لضمان استدامة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي.
ومن هنا، يُفهم مصطلحا المواسم الزراعية المبكرة والمتأخرة؛ فالموسم المبكر هو الذي يبدأ مع أول هطول للأمطار، بينما يأتي الموسم المتأخر نتيجة تأخر الأمطار أو الزراعة في نهايتها، وهو ما قد يؤثر على الإنتاجية وجودة المحصول.
وبشكل عام، يمكن القول إن الأشهر الزراعية في اليمن تمتد من مارس إلى سبتمبر للزراعة، ومن يونيو إلى ديسمبر للحصاد، مع اختلافات بحسب المناطق. كما أن بعض المحاصيل، خاصة في المناطق المروية والساحلية، يمكن زراعتها أكثر من مرة في السنة، بفضل توفر المياه وارتفاع درجات الحرارة وقصر دورة نموها.
وفي ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها القطاع الزراعي في اليمن، من تقلبات مناخية وشح في الموارد المائية وضعف في البنية التحتية، تبرز الحاجة الملحّة إلى تدخلات استراتيجية ومدروسة من قبل الجهات الحكومية والشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. إن دعم المزارعين لم يعد يقتصر على توفير البذور أو المدخلات الزراعية التقليدية، بل يتطلب التوسع في إدخال الآليات الحديثة مثل الحصادات وآلات الدراس ومعدات الري، التي تسهم في تقليل الفاقد ورفع كفاءة الإنتاج وتخفيف الأعباء عن المزارعين.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به محطة البحوث الزراعية بالكود باعتبارها منارة علمية وطنية تسهم في تطوير التقنيات الزراعية وتحسين الإنتاج، إلى جانب كلية ناصر للعلوم الزراعية التي تمثل رافدًا أكاديميًا مهمًا في إعداد الكوادر الزراعية المؤهلة. إن تعزيز الشراكة بين هذه المؤسسات الوطنية والجهات الدولية من شأنه أن يخلق تكاملًا فعّالًا بين البحث العلمي والتطبيق الميداني، ويقود إلى تبني ممارسات زراعية حديثة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق الاستدامة.
إن الزراعة في اليمن ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي، وأحد أهم ركائز الاستقرار. ودعمها اليوم هو استثمار حقيقي في مستقبل البلاد، وضمان لحياة كريمة للأجيال القادمة.